Matthew Chapter 1
Matthew Chapter 2
Matthew Chapter 3
Matthew Chapter 4
Matthew Chapter 5 - I
Matthew Chapter 5 - II
Matthew Chapter 6
Matthew Chapter 7
Matthew Chapter 8
Matthew Chapter 9
Matthew Chapter 10
Matthew Chapter 11
Matthew Chapter 12 - I
Matthew Chapter 12 - II
Matthew Chapter 13 - I
Matthew Chapter 13 - II
Matthew Chapter 14
Matthew Chapter 15
Matthew Chapter 16
Matthew Chapter 17
Matthew Chapter 18
Matthew Chapter 19
Matthew Chapter 20
Matthew Chapter 21 - I
Matthew Chapter 21 - II
Matthew Chapter 22 - I
Matthew Chapter 22 - II
Matthew Chapter 23
Matthew Chapter 24 - I
Matthew Chapter 24 - II
Matthew Chapter 25 - I
Matthew Chapter 25 - II
Matthew Chapter 26 - I
Matthew Chapter 26 - II
Matthew Chapter 26 - III
Matthew Chapter 27 - I
Matthew Chapter 27 - II
Matthew Chapter 28

Lesson 01

🎧 Gospel of St. John — Audio Bible Study
🎧 Gospel of St. Luke — Audio Bible Study

طرق لدراسة الكتاب المقدس
أسرار فهم الكتاب المقدس
ازاي تقرأ الكتاب المقدس وتفهم ربنا عايز يقولك إيه؟
كيف استفيد من الكتاب المقدس
ثقتي في الكتاب المقدس
حكاية العهد القديم
ثقتي في العهد القديم
بانوراما العهد القديم
العقيدة في العهد القديم
مقدمة عن العهد القديم
تساؤلات في العهد القديم ج1
تساؤلات في العهد القديم ج2
حكاية العهد الجديد
بانوراما الاناجيل الاربعة
ضع عنوان مناسب - لماذا
أدوات الإستفهام - (ماذا لو - متى - أين - كيف - ماذا)
استخرج من النص (الوعد - الوصية - التشبيه - الحقيقة)
الملاحظة - الصلاة بالنص
استخرج الافعال من النص
استخرج الطقس و العقيدة من النص
الشخصيات - المقارنات
ماذا تفعل لو كنت مكان
التاريخ
الجغرافيا
تداريب
التربيطات
الخوف و الرجاء
الأصحاح الأول
الأصحاح الثاني
الأصحاح الثالث
الأصحاح الرابع
الأصحاح الخامس
الأصحاح السادس
الأصحاح السابع
الأصحاح الثامن
الأصحاح التاسع
الأصحاح العاشر
الأصحاح الحادي عشر
الأصحاح الثاني عشر
الأصحاح الثالث عشر
الأصحاح الرابع عشر
الأصحاح الخامس عشر
الأصحاح السادس عشر
الأصحاح السابع عشر
الأصحاح الثامن عشر
الأصحاح التاسع عشر
الأصحاح العشرون
الأصحاح الحادي والعشرون
الأصحاح الثاني والعشرون
الأصحاح الثالث والعشرون
الأصحاح الرابع والعشرون
الأصحاح الخامس والعشرون
الأصحاح السادس والعشرون
الأصحاح السابع والعشرون
الأصحاح الثامن والعشرون
St. Mark Chapter 1 - I
St. Mark Chapter 1 - II
St. Mark Chapter 1 - III & 2
St. Mark Chapter 3
St. Mark Chapter 4 & 5 - I
St. Mark Chapter 5 - II & 6 - I
St. Mark Chapter 6 - II & 7 - I
St. Mark Chapter 7 - II & 8 - I
St. Mark Chapter 8 - II & 9 - I
St. Mark Chapter 9 - II
St. Mark Chapter 9 - III & 10 - I
St. Mark Chapter 10 - II
St. Mark Chapter 10 - III & 11 - I
St. Mark Chapter 11 - II
St. Mark Chapter 12 - I
St. Mark Chapter 12 - II
St. Mark Chapter 13 - I
St. Mark Chapter 13 - II & 14 - I
St. Mark Chapter 14 - II
St. Mark Chapter 14 - III & 15 - I
St. Mark Chapter 15 - II
St. Mark Chapter 16

Lesson 01

The Old Testament
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon
Coming Soon

Lesson 01

مقدمة شرح العهد الجديد – للقمص تادرس يعقوب ملطي
مقدمة شرح العهد الجديد
للقمص تادرس يعقوب ملطي
✝ St. Matthew

القدّيس متّى الإنجيلي، هو أحد الاثني عشر تلميذًا، كان عشَّارًا اسمه لاوي واسم أبيه حلفى. رآه السيّد المسيح جالسًا عند مكان الجباية فقال له: اتبعني، فقام وتبعه
Matt 9:9-9 - Mark 2:14 - Luk 5:29-29


ترك لاوي الجبتركلتي كان اليهود يتطلّعون إليها ببغضةٌ، لأنها تمثل السلطة الرومانيّة المستبدة، وعلامة إذلال الشعب لحساب المستعمر الروماني المستغلّ.

وقد سجّل لنا معلّمنا لوقا البشير الوليمة الكبرى التي صنعها لاوي للسيّد في بيته، ودعا إليها أصدقاءه السابقين من عشّارين وخطاة حتى يختبروا عذوبة التبعيّة للسيّد المسيح بأنفسهم (Luke 5:29)، الأمر الذي أثار معلّمي اليهود، قائلين للتلاميذ: لماذا يأكل معلّمكم مع العشّارين والخطاة؟ أمّا هو فأجاب: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة" (Matt. 9:11-12).

أما كلمة "متّى" فتعني "عطيّة الله"، وبالعبرانيّة "نثنائيل"، وباليونانيّة "ثيودورس"، والتي عُرِّبت "تادرس". وكأن الله بدعوته لمتّى أشبع قلبه كعطيّة إلهيّة فانتزعت نفسه من محبّة المال وأخرجت قلبه خارج الجباية.

الانجيل بحسب مار متي البشير

† الأصحاح الأول نسب الملك وميلاده
† الأصحاح الثاني سجود الملوك للملك
† الأصحاح الثالث حفل التتويج عِمَاد الملك
† الأصحاح الرابع انتصار الملك
† الأصحاح الخامس دستور الملك 1
† الأصحاح السادس دستور الملك 2
† الأصحاح السابع دستور الملك 3
† الأصحاح الثامن أعماله الملوكيّة 1
† الأصحاح التاسع أعماله الملوكيّة 2
† الأصحاح العاشر سفراء الملك
† الأصحاح الحادي عشر قبول الملك
† الأصحاح الثاني عشر مفاهيم الملكوت الجديد
† الأصحاح الثالث عشر أمثلة الملكوت
† الأصحاح الرابع عشر الملك المشبع
† الأصحاح الخامس عشر ناقدوا الملك وطالبوه
† الأصحاح السادس عشر بناء الملكوت المسيحياني
† الأصحاح السابع عشر ملكوت أخروي وَاقعي
† الأصحاح الثامن عشر الطريق الملوكي
† الأصحاح التاسع عشر مدعُوُّو الملكوت
† الإصحاح العشرون مستحقُّو الملكوت
† الإصحاح الحادي والعشرون دخول الملك أورشليم
† الإصحاح الثاني والعشرون مقاومو الملكوت
† الإصحاح الثالث والعشرون الويْلات لمقاومي الملكوت
† الإصحاح الرابع والعشرون علامات مجيء الملكوت
† الإصحاح الخامس والعشرون انتظار الملكوت
† الإصحاح السادس والعشرون فِصح الملكوت الجديد
† الإصحاح الثامن والعشرون الملكوت حَياة مقَامة
لغة الكتابة

يقول بابياس أسقف هيرابوليس عام 118 م. أن متّى حوى التعاليم باللسان العبري، وكل واحد فسّرها (ترجمها) كما استطاع. هذا أيضًا ما أكّده القدّيس إيريناؤس والعلامة أوريجينوس والقدّيسان كيرلس الأورشليمي وأبيفانيوس. ويروي لنا المؤرخ يوسابيوس أن القدّيس بنتينوس في زيارته إلى الهند وجد إنجيل متّى باللسان العبري لدى المؤمنين تركه لهم برثولماوس الرسول.

تاريخ كتابته

استقرّ رأي غالبيّة الدارسين أنه كُتب بعد إنجيل معلّمنا مرقس الرسول ببضع سنوات، وقبل خراب الهيكل اليهودي حيث يتحدّث عنه كنبوّة لا كواقعة قد تمت. لهذا يقدرون كتابته بالربع الثالث من القرن الأول.

مكان كتابته

يرى التقليد أن الإنجيل كُتب في فلسطين، الأمر الذي لم يشك فيه أحد من آباء الكنيسة الأولى، وإن كان بعض الباحثين رأوا أنه كُتب في إنطاكيّة أو فينيقيّة.

غرض الكتابة
  • كتب القدّيس متّى إنجيله لليهود الذين كانوا ولا يزالوا ينتظرون المسيّا الملك الذي يُقيم مملكة تسيطر على العالم. فالكاتب يهودي تتلمذ للسيّد المسيح يكتب لإخوته اليهود ليُعلن لهم أن المسيّا المنتظر قد جاء، مصحّحًا مفهومهم للملكوت، ناقلًا إيّاهم من الفكر المادي الزمني إلى الفكر الروحي السماوي

  • لقد كرّر كلمة "ابن داود" لتأكيد أن "المسيّا" هو الملك الخارج من سبط يهوذا ليملك، لكن ليس على نفس المستوى الذي ملكوا به في أرض الموعد، إنّما هو ملكوت سماوي (Matthew 13:43 - Matthew 25:34)؛ (Matthew 7:21 - Matthew 8:11 - Matthew 16:28). حقًا لقد كان اليهود ينتظرون بحمية شديدة مجيء المسيّا المخلّص ليملك. وقد جاء وملك لكن ليس بحسب فكرهم المادي!

  • حمل هذا الإنجيل أيضًا جانبًا دفاعيًا عن السيّد المسيح، فلم تقف رسالته عند تأكيد أن فيه تحقّقت نبوّات العهد القديم، وإنما دافع ضدّ المثيرات اليهوديّة، لهذا تحدّث بوضوح عن ميلاده من عذراء، ودافع الملاك عنها أمام خطيبها، وروى تفاصيل قصّة القيامة والرشوة التي دفعها اليهود للجند. لهذا دعا R. V. G. Tasker هذا الإنجيل بالدفاع المسيحي المبكّر

  • يرى G. D. Kilpatrick أن هذا الإنجيل في أصوله كتب بهدف ليتورجي، لتُقرأ فصوله أثناء العبادة المسيحيّة. وقد اعتمد في ذلك على ما اتسم به الإنجيل من وضوح واختصار ومطابقات وتوازن في اللغة. لكن البعض يرى أن مثل هذه السمات لا تعني أن هذا الإنجيل كتب بهذا الهدف، إنّما هي سمات الكاتب الأدبيّة، وأنه بسبب هذه السمات استخدم الإنجيل بطريقة واسعة في الأغراض الليتورجيّة
سماته

استخدم هذا الإنجيل في الاقتباسات الواردة في كتابات الكنيسة الأولى أكثر من غيره. ولعلّ نشره للموعظة على الجبل بطريقة تفصيليّة كدستور للحياة المسيحيّة كان له أثره على المؤمنين. أمّا سماته فهي:

  • إذ كتب متّى الإنجيلي هذا الإنجيل لليهود أوضح بطريقة عميقة العلاقة الأكيدة بين المسيحيّة والعهد القديم، موضّحًا كيف كانت الكنيسة مُبتلعة في التفكير في نبوّات العهد القديم التي تحقّقت روحيًا في المسيح يسوع ربنا.

    لقد أشار إلى حوالي 60 نبوّة من العهد القديم، كما تكرّرت كلمة الملكوت حوالي 55 مرّة، وذُكر السيّد المسيح كابن لداود ثمان مرّات، معلنًا أنه الموعود به. لقد حمل هذا الإنجيل جوًا يهوديًا أكثر من غيره، فيفترض في القارئ معرفة العبريّة (Matthew 5:19)، يستعمل التعبيرات المفضّلة عند اليهود كدعوة أورشليم بالمدينة المقدّسة (Matt. 4:5 - Matt. 27:5–53)، والهيكل بالمكان المقدّس (Matt. 24:15). يتحدّث عن أسس الأعمال الصالحة الثلاثة عند اليهود، أي الصدقة والصلاة والصوم (Matthew 6:1–8 – Matthew 16–18)، وعن واجبات الكهنة في الهيكل (Matt. 12:5) وضريبة الهيكل (Matt. 17:24–27)، والعشور (Matt. 23:23) وغسل الأيدي علامة التطهير من الدم (Matt. 27:24) إلخ.

    أوضح أن السيّد لم يأتِ ليحتقر العهد القديم، بل ليدخل به إلى كمال غايته، من جهة الناموس والوصيّة وتحقيق ما جاء به من وعود خاصة بالخلاص. هذا التحقيق لم يتمّ فقط خلال تعاليم السيّد المسيح، وإنما أيضًا خلال شخصه كمخلّصٍ وفادٍ.

    هذا ما دفع بعض الدارسين إلى التطلّع إلى هذا الإنجيل كدراسة حاخاميّة مسيحيّة تكشف عن إعلان السيّد المسيح المخفي في العهد القديم.

  • إذ يكتب متّى الإنجيلي لليهود لم يغفل عن مصارحتهم بأخطائهم، فيقول عن قائد المائة الروماني: "لم أجد ولا في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا، وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجيّة" (Matt 8:10– Matt 8:12). وقوله: "ابن الإنسان يُسلّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت" (Matt. 20:18)، وأيضًا: "ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمّة تعمل أثماره" (Matt. 21:43). منتقدًا تفسيرهم الحرفي لحفظ السبت (Matt 12:1–13)، واهتمامهم بالمظهر الخارجي للعبادة (Matthew 6:2 - Matthew 6:5 - Matthew 6:16)، وانحرافهم وراء بعض التقاليد المناقضة للوصيّة (Matt 15:3–9)، مؤكدًا لالتزامهم بالوصايا الشريعيّة حتى تلك التي ينطق بها الكتبة والفرّيسيّون مع نقده الشديد لريائهم (Matthew 23:1) إلخ.

  • إن كان هذا الإنجيل قد حمل جوًا يهوديًا أكثر من غيره من الأناجيل لكنّه لم يغفل القارئ الأممي، فيشرح له بعض الألفاظ المعروفة لدى اليهود كقوله: "عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا" (Matthew 1:23)، "موضع يقال له جلجثّة، وهو المُسمّى موضع الجمجمة" (Matthew 27:33). وشرح بعض النواحي الجغرافيّة، كقوله: "وأتى وسكن في كفرناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم" (Matthew 4:13). وشرح المعتقدات التي يعرفها اليهودي مثل: "جاء إليه صدّيقيّون، الذين يقولون ليس قيامة" (Matthew 22:23)، وأيضًا عادات يهوديّة مثل "كان الوالي معتادًا في العيد أن يطلق لهم أسيرًا واحدًا من أرادوه" (Matthew 27:15).

  • مع اهتمام الإنجيلي بالشئون اليهوديّة ليس فقط بالالتجاء إلى نبوّات العهد القديم، وإنما أيضًا بالالتزام بالوصايا الناموسيّة (Matthew 5:8)، وتعاليم الكتبة والفريسيين الجالسين على كرسي موسى (Matthew 23:2)، بطريقة روحيّة عميقة وجديدة، أعلن السيّد أنه مُرسل لخراف إسرائيل الضالة (Matthew 15:24)، ويرجع نسبه إلى إبراهيم أب اليهود، وينقسم إلى ثلاثة أقسام تتكون من 14 جيلًا عن كل قسم بطريقة حاخاميّة، وأنه ابن داود المنتظر الذي يدخل المدينة المقدّسة كغالبٍ. هذه جميعها تُشير إلى تحقيقات أمنيات اليهود لكن الإنجيلي لم يقف عند هذا الحد؛ أيضًا عند الخصوصيات اليهوديّة بل انطلق بفكرهم إلى الرسالة الإنجيليّة الجامعيّة، معلنًا ظهور إسرائيل الجديد الذي لا يقف عند الحدود الضيقة. فقد ورد في نسب السيّد أمميّات غريبات الجنس، وفي طفولته هرب إلى مصر كملجأ له، معلنًا احتضان الأمم لملكوته (Matthew 2:13)، وفي لقاءاته مع بعض الأمميّين والأمميّات كان يمدحهم معلنًا قوّة إيمانهم، وفي نفس الوقت هاجم الكتبة والفرّيسيّين في ريائهم وضيق أفقهم ، وفي مثل الكرم تحدّث عن تسليم الكرم إلى كرّامين آخرين (Matthew 21:33)، وكأنه انطلق بهم من الفهم الضيّق المتعصّب إلى الفهم الروحي الجديد وإعلان الرسالة العظيمة الممتدة إلى جميع الأمم، حيث ختم السفر بكلمات السيّد الوداعيّة: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (Matthew 28:19).
الجانب اللاهوتي
  • إنجيل متّى هو "إنجيل الملكوت"، مركزه "ملكوت السماوات" الذي يُعلن بوضوح في الأحاديث التعليميّة للسيّد المسيح كما في أمثاله ومعجزاته. هذا الملكوت هو ملكوت المستقبل (Matthew 25:34 - Matthew 7:21 - Matthew 8:11 - Matthew 16:28)، لكنّه يبدأ من الآن في حياتنا كحقيقة حاضرة (Matthew 12:28 - Matthew 4:17 - Matthew 5:3 - Matthew 11:3). كأن ملكوت السماوات قد بدأ فعلًا بمجيء السيّد المسيح وسكناه في قلوبنا ليُعلن بكماله في مجيئه الأخير.

  • أما رب الملكوت فهو "المسيّا" المخلّص الذي كشف الإنجيل عن سلطانه الملوكي، موضّحًا أنه فيه تمّ المكتوب، وتحقّقت المواعيد الإلهيّة، وتمتّعت الشعوب بمشتهى الأمم! إنه موسى الجديد على مستوى فريد وفائق، يصوم أربعين يومًا، ويجرّب على الجبل ليغلب باسم شعبه وتخدمه الملائكة، يكمّل الشريعة الموسويّة لا بتسلّم وصايا على حجر منقوش بل يتكلّم بسلطان من عنده، يُشبع الجموع التي في القفر، ويتجلّى أمام تلاميذه مستدعيًا موسى وإيليّا ومتحدّثًا معهما! إنه ابن الله، لكنّه هو أيضًا ابن الإنسان، إذ حلّ في وسطنا ليدخل بنا إلى أمجاده. لهذا يدعوه "ابن الإنسان" في مواقف المجد الفائق.
الجانب الكنسي
  • لما كان إنجيل متّى البشير هو إنجيل الملكوت لهذا فهو أيضًا إنجيل الكنيسة بكونها سرّ ملكوت الله. إنه الوحيد بين الإنجيليّين يسجّل لنا تعاليم خاصة بالكنيسة بطريقة صريحة وواضحة على لسان السيّد المسيح، الذي نُسب إليه استخدام كلمة "إككليسيّا" مرّتين في عبارتين غاية في الأهمّية: فتحدّث عن أساس الكنيسة: صخرة الإيمان، قائلًا لبطرس الرسول حين أعلن إيمانه به، "على هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (Matthew 16:18). كما تحدّث عن سلطان الكنيسة. "وإن لم يسمع منهم فقُل للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشّار. الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء" (Matthew 18:17–18).

  • هذا يكشف لنا عن اهتمام الإنجيلي متّى بالأمور الكنسيّة. والملاحظ أنه يؤكّد سرّ الكنيسة كحضرة الله وسط شعبه، وفي قلوبهم بطريقة وبأخرى عَبْر السفر كله، فيفتحه بحديث الملاك للقدّيس يوسف عن السيّد المسيح: "ويدعون اسمه عمّانوئيل الذي تفسيره الله معنا" (Matthew 1:23). وينقل إلينا حديث السيّد مع تلاميذه مقدّمًا لنا صورة مبسّطة للكنيسة المحليّة، بقوله: "لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" (Matthew 18:20). كما أوضح السيّد الكنيسة الخفيّة في قلب الشاهد للحق، خاصة خلال عمله الرسولي بقوله: "من يقبلكم يقبلني" (Matthew 10:40)، "من قبِل ولدًا واحدًا مثل هذا باسمي فقد قبلني" (Matthew 18:5) كما يظهر معيّته مع شعبه المحتاج والمتألّم بقوله في اليوم الأخير: "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر فبي فعلتم" (Matthew 40:25). ويرى العلامة ترتليان أن الإنجيلي متّى في عرضه لملاقاة السيّد مع تلاميذه داخل السفينة وسط الرياح الثائرة صورة حيّة للكنيسة التي تستمد سلامها من السيّد المسيح الساكن فيها والمتجلّي داخلها بالرغم ممّا يثيره الشيطان من اضطرابات ومضايقات. أخيرًا فإن الإنجيلي يختم السفر بكلمات السيّد لتلاميذه أن يتلمذوا جميع الأمم ويعمّدوهم ويعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به (Matthew 28:19-20) مؤكدًا معيّته معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر (Matthew 20:28)، وكأن الكنيسة ممتدة من حيث المكان لتشمل الأمم ومن حيث الزمان إلى مجيئه الأخير لتعيش معه وجهًا لوجه!
الجانب الإسخاتولوجي (الأخروي)

إذ هو سفر الملكوت السماوي الذي ينطلق بمجيء المسيح الأول ليعد الكنيسة لملاقاته في مجيئه الأخير أكّد الإنجيلي الفكر الإسخاتولوجي (الأخروي) بصورة واضحة خاصة في الأصحاحين (Matthew 24:1 - Matthew 25:1). ففي الأول تحدّث عن علامات انقضاء الدهر، لا لمجرد المعرفة، وإنما بقصد الاستعداد بالسهر الدائم لمجيئه الأخير. وفي الأصحاح التالي قدّم لنا أمثلة رائعة عن الملكوت السماوي وملاقاتنا مع السيّد على السحاب.

← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

الأرقام

إذ يكتب الإنجيلي متّى لليهود يهتمّ بالأرقام المحبّبة لهم خاصة أرقام 3، 5، 7. فمن جهة رقم 3 نجده يقسّم:

نسب السيّد المسيح إلى ثلاثة مراحل (Matthew 1:17)

التجارب التي واجهها السيّد ثلاثة (Matthew 4:1–11)،

وأركان العبادة ثلاثة (Matthew 6:1–18)،

ويقدّم ثلاث تشبيهات للصلاة:

السؤال والطلب والقرع (Matthew 7:7–8)

، وفي التجلّي أخذ السيّد معه ثلاث تلاميذ (Matthew 17:1)،

وأيضًا في بستان جثّسيماني (Matthew 26:37)،

وهناك صلي ثلاث مرّات (Matthew 26:39–44)

وبطرس الرسول أنكر السيّد ثلاث مرّات (Matthew 26:75).

وسنحاول الحديث عن معنى الأرقام أثناء عرضنا لتفسير الإنجيل.

من أهم ملامح هذا السفر أنه يتكون من خمس مقالات كبرى يلحقها أو يسبقها بعض القصص، حتى رأى البعض أن السفر يمثّل خمسة كتب جاءت مقابل أسفار موسى الخمسة بكون السيّد المسيح هو موسى الجديد. أمّا المقالات الخمسة فهي:

† الموعظة على الجبل ص 5 - 7
† العمل الرسولي ص 10
† أمثال الملكوت ص 13
† تعاليم متنوّعة ص 18
† أحاديث إسخاتولوجيّة ص 23 - 25
محتويات السفر

إذ يتحدّث هذا السفر عن المسيّا كرب الملكوت السماوي، يمكننا تقسيم السفر هكذا:

† نسب الملك وميلاده Matt 1:1-25 Matt 2:1-23
لقد أكّد متّى البشير خلال نسب السيّد المسيح حسب الشريعة اليهوديّة، أنه ابن داود من سبط يهوذا آخِر ملك من السبط الملوكي، بمجيئه انتهت سجلاّت الأنساب، إذ تحقّق هدفها ولا يمكن حاليًا أن يعرف يهودي أنسابه حتى آدم كما كان في أيام السيّد المسيح.
† السابق للملك Matt 3:1-17
كانت العادة الشرقية أن يوجد للملك سابق يهيئ له الطريق. هكذا جاء يوحنا المعمدان الملاك الذي يهيئ الطريق للملك السماوي.
† اختبار الملك Matt 4:1-11
دخول السيّد مع الشيطان في معركة على الجبل ليغلب، فيهب كل شعبه روح الغلبة والنصرة
† إعلان الملك Matt 4:12-25
أعلن ملكه السماوي مُقامًا على الأرض
† دستور الملك Matt 5:1-48 Matt 6:1 Matt 7:1
"الموعظة على الجبل"، الدستور الذي يعيش على أساسه الشعب ليتهيّأوا للحياة السماويّة، ويتمتّعوا بالملكوت.
† خدمة الملك Matt 9:8-11
إذ أعلن دستوره لشعبه مارس خدمته مع كل المحتاجين، مبتدئًا هنا بتطهيره الأبرص ولمسه ليؤكّد أنه جاء من أجل المرذولين والمنبوذين، وأن الأبرص لن ينجس السيد. ثم شفي خادم قائد المائة ليُعلن أنه جاء بالأكثر من أجل الخدم والعبيد لا يحتقّر إنسانًا لسبب أو آخر
† رفض الملك Matt 20:10-11
خاب أمل اليهود فيه إذ كانوا ينتظرون فيه ملكًا بمفهوم زمني يسيّطر ويملك ويُقيم دولة صهيونيّة تحكم العالم. اختلفت خدمته عمّا في أذهانهم ليفتح الباب للأمم.
† دخول الملك Matt 21-25
دخوله الرسمي إلى العاصمة ليملك على الصليب بعد كشفه عن المفهوم الإنجيلي للملكوت.
† موت الملك وقيامته Matt 26-28
ملك الرب على خشبة، وقام لكي يُقيم المؤمنين أعضاء في مملكته السماويّة
✝ St. Mark

في دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير نتذوق بشارة ربنا يسوع المسيح المفرحة التي سبق فأعد لها الله بواسطة أنبيائه القديسين حتى نتقبلها كدخول إلى ملكوته الأبدي، والآن في إنجيل معلمنا مرقس البشير نتمتع بذات البشارة المفرحة من جانب آخر، إذ نرى ربنا يسوع المسيح العامل لحسابنا، خلال خدمته العملية، خاصة قبوله الآلام والصلب أكثر من كلماته وعظاته .


كُتب هذا السفر للرومان المعتزين بالذراع البشري والسلطة الزمنيّة مع العنف وحب التسلط، لذلك جاء هذا السفر يبرز شخص السيد المسيح كصاحب سلطان حقيقي خلال تواضعه وحبه بالآلام والصلب. وكأن روح الله يود أن يسحبنا لكي نسلك بروح ملكنا، فنحمل روح القوة والعمل بالحب والبذل.

هذا وأود أن أشير أننا في تفسير هذا السفر، إذ نلتقي بأحداث تمس حياة السيد المسيح وأعماله سبق الحديث عنها في تفسير "الإنجيل بحسب متى" مستشهدًا بأقوال الكثير من الآباء وددت عدم التكرار، مشيرًا إلى الرجوع إلى التفسير السابق متى اقتضى الأمر، مع عرض مفاهيم (مر(Mark 8:31 – Mark 9:31 – Mark 10:33–34)ديدة في هذا الكتاب ما استطعت.

الإنجيل بحسب مار مرقس
† الباب الأول: ص 1- 5: 30
† الأصحاح الأول بدء الخدمة
† الأصحاح الثاني الخدمة المقَاومة
† الأصحاح الثالث العمل غير المنقطع
† الأصحاح الرابع البذور والزرع
† الأصحاح الخامس سلطانه على الأرواح النجسة والموت
† الباب الثاني: ص 6- 9
† الأصحاح السادس اتجاهات نحو شخص المسيح
† الأصحاح السابع الحياة الداخلية
† الأصحاح الثامن المسيح المشبع
† الأصحاح التاسع الملكوت العملي
† الباب الثالث: ص 10
† الأصحاح العاشر الطريق الصعب
† الباب الرابع: ص 11- 13
† الأصحاح الحادي عشر دخول أورشليم
† الأصحاح الثاني عشر مقاومته في أورشليم
† الأصحاح الثالث عشر علامات المنتهى
† الباب الخامس: ص 14- 16
† الأصحاح الرابع عشر الإعداد للصليب
† الأصحاح الخامس عشر أحداث الصليب
† الأصحاح السادس عشر أحداث القيامة
.
القديس مار مرقس نشأته

وُلد القديس مرقس في القيروان إحدى المدن الخمس الغربية بليبيا، في بلدة تُدعى ابرياتولس، من أبوين يهوديين من سبط لاوي، اسم والده أرسطوبولس، ووالدته مريم، سيدة تقيّة لها اعتبارها بين المسيحيّين الأولين في أورشليم.

حمل مار مرقس اسمين (Acts 12:12 - Acts 12:25 - Acts 15:37): يوحنا وهو اسم عبري يعني "يهوه حنان"، ومرقس اسم روماني يعني "مطرقة".

كان القديس مرقس يمت بصلة قرابة لبرنابا الرسول بكونه ابن أخته (Colossians 4:10)، أو ابن عمه، كما كان والده ابن عم زوجة القديس بطرس الرسول أو ابن عمتها.

تعلم اليونانيّة واللاتينيّة والعبريّة وأتقنها.

إذهجمت بعض القبائل المتبربرة على أملاكهم تركوا القيروان وذهبوا إلى فلسطين، حيث تمتع مع والدته بالسيد المسيح، فقد كانت أمه مريم من النساء اللواتي خدمن السيد من أموالهن. فتحت بيتها ليأكل الفصح مع تلاميذه في العُليّة، وهناك غسل أقدام التلاميذ، وسلمهم سرّ الإفخارستيا، فصارت أول كنيسة مسيحيّة في العالم دشنها السيد بنفسه بحلوله فيها وممارسته سرّ الإفخارستيا. وفي نفس العُلية حلّ الروح القدس على التلاميذ (Acts 2:1-4)، وفيها كانوا يجتمعون.

كان القديس مرقس أحد السبعين رسولًا الذين اختارهم السيد للخدمة، وقد شهد بذلك العلامة أوريجينوس والقديس أبيفانيوس.

كان القديس مرقس حاضرًا مع السيد في عرس قانا الجليل، وهو الشاب الذي كان حاملًا الجرة عندما التقى به التلميذان ليُعدا الفصح للسيد (Mark 14:13-14 - Luke 22:11). وهو أيضًا الشاب الذي ترك إزاره وهرب عاريًا عند القبض على السيد (Mark 14:52).

القديس مار مرقس والأسد

يُرمز للقديس مار مرقس بالأسد، لذلك نجد أهل البندقيّة وهم يستشفعون به جعلوا الأسد رمزًا لهم، وأقاموا أسدًا مجنحًا في ساحة مار مرقس بمدينتهم. ويعلل البعض هذا الرمز للأمور الآتية:

أولًا: قيل أن القديس مرقس اجتذب والده أرسطوبولس للإيمان المسيحي خلال سيرهما معًا في الطريق إلى الأردن حيث فاجأهما أسد ولبوة، فطلب الأب من ابنه أن يهرب بينما يتقدم هو فينشغل به الوحشان، لكن الابن طمأن الأب وصلى إلى السيد المسيح فانشق الوحشان وماتا، فآمن الأب بالسيد المسيح.

ثانيًا: بدأ القديس مرقس إنجيله بقوله: "صوت صارخ في البرية"، وكأنه صوت أسد يدوي في البريّة كملك الحيوانات يهيئ الطريق لمجيء الملك الحقيقي ربنا يسوع المسيح. هذا وإذ جاء الإنجيل يُعلن سلطان السيد المسيح لذلك لاق أن يُرمز له بالأسد،إذقيل عن السيد أنه "الأسد الخارج من سبط يهوذا" (Revelation 5:5).

ثالثًا: يرى القديس أمبروسيوس أن مار مرقس بدأ إنجيله بإعلان سلطان لاهوت السيد المسيح الخادم "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (Mark 1:1)، لذلك بحق يرمز له بالأسد.

كرازته

بدأ الرسول خدمته مع معلمنا بطرس الرسول في أورشليم واليهوديّة.

انطلق مع الرسولين بولس وبرنابا في الرحلة التبشيريّة الأولى، وكرز معهما في أنطاكية، لكنه على ما يظن أُصيب بمرض في برجة بمفيليّة فاضطر أن يعود إلى أورشليم.

إذبدأ الرسول بولس رحلته التبشيريّة الثانية أصر برنابا الرسول أن يأخذ مرقس، أما بولس الرسول فرفض، حتى فارق أحدهما الآخر، فانطلق بولس ومعه سيلا، أما برنابا فأخذ مرقس وكرزا في قبرص (Acts 13:4-5)، وقد ذهب إلى قبرص مرة ثانية بعد مجمع أورشليم (Acts 15:39).

اختفت شخصيّة القديس مرقس في سفر الأعمال، إذ سافر إلى مصر وأسس كنيسة الإسكندرية بعد أن ذهب أولًا إلى موطن ميلاده "المدن الخمس" بليبيا، ومن هناك انطلق إلى الواحات ثم صعيد مصر ودخل الإسكندرية عام 61 م. من بابها الشرقي.

يروي لنا التاريخ قصة قبول إنيانوس الإيمان المسيحي كأول مصري بالإسكندرية يقبل المسيحيّة. فقد تهرأ حذاء مار مرقس، وإذ ذهب به إلى الإسكافي إنيانوس ليصلحه دخل المخراز في يده فصرخ: "يا الله الواحد"، فشفاه مار مرقس باسم السيد المسيح وبدأ يحدثه عن الإله الواحد، فآمن هو وأهل بيته. وإذ انتشر الإيمان سريعًا بالإسكندرية رسم إنيانوس أسقفًا ومعه ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة. هاج الشعب الوثني فاضطر القديس مرقس أن يترك الإسكندرية ليذهب إلى برقة (بليبيا) ومنها إلى روما، حيث التقى بالقديسين بطرس وبولس وبقي معهما حتى استشهادهما عام 64 م.

عاد إلى الإسكندرية عام 65 م. ليجد الإيمان المسيحي قد ازدهر، فقرر أن يزور المدن الخمس، وعاد ثانية إلى الإسكندرية ليستشهد هناك في منطقة بوكاليا.

تعتقد لبنان أن القديس كرز بها، هذا وقد كرز أيضًا بكولوسي (Colossians 4:10)، وقد اتخذته البندقيّة شفيعًا لها، واكويلًا من أعمال البندقيّة.

نختم حديثنا عن كرازته بكلمات الرسول بولس وهو يواجه لحظات الاستشهاد: "خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة" (2 Timothy 4:11).

تاريخ ومكان كتابته

أجمع الدارسون على أن إنجيل مار مرقس هو أقدم ما كُتِبَ في الأناجيل، بل وحسبه كثير من الدارسين المصدر الرئيسي الذي استقى منه الإنجيليان متى ولوقا في كتابتهما إنجيليهما

يرى القديس إيريناؤس أنه كُتب بعد استشهاد القديسين بطرس وبولس. وقد اتجه غالبيّة الدارسين إلى القول بأنه كتب ما بين عام 65 م. وعام 70 م. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كُتِبَ في مصر، بينما نادى البعض بأنه كُتِبَ في روما.

إنجيل مرقس وبطرس الرسول

حاول بعض الدارسين أن ينسبوا إنجيل مرقس إلى بطرس الرسول، متطلعين إلى القديس مرقس ككاتب أو مترجم للقديس بطرس قريبه، وأن هذا الإنجيل ليس إلاَّ مذكرات للرسول بطرس أو عظات سمعها مار مرقس عنه أثناء إقامته معه في روما، سجلها بعد استشهاد القديسين بطرس وبولس.

هذا الرأي ترفضه الكنيسة القبطيّة تمامًا، وقد قام قداسة البابا شنودة الثالث بتفنيده في دراسته التي قدمها عن "القديس مرقس الرسول" بمناسبة مرور 16 قرنًا على استشهاده، لذلك رأيت هنا الاكتفاء بإبراز العناصر الرئيسيّة تاركًا للقارئ أن يرجع لكتاب قداسة البابا.

أولًا: اعتمد هذا الرأي على قول للقديس بابياس عن القديس مرقس وقد ذكر عنه أنه لم يسمع الرب ولا عاينه، إنما تبع الرسول بطرس الذي آمن على يديه. وإن كان قد نقل بعض الآباء هذا الفكر عن بابياس، لكنه رأي خاطئ، فقد شهد كثير من الآباء كما أكّد دارسو التاريخ الكنسي أن مار مرقس عاين الرب وتبعه.

ثانيًا: لم يكن مار مرقس كاتبًا ولا مترجمًا لبطرس الرسول في خدمته في روما كما ادَّعَى البعض، بل إن بطرس الرسول لم يكرز في روما وإنما بولس الرسول هو الذي كرز بها كما يظهر من رسالته إلى روما معلنًا اشتياقه للعمل بينهم (Romans 1:10-11) وفي نفس الرسالة يؤكد أنه لا يبني حيث وضع آخر أساسًا (Romans 15:20)... وكأن بولس وهو كارز للأمم -بينما بطرس كارز لأهل الختان- أراد أن يكون له هذا العمل في روما.

ثالثًا: لو أن مار مرقس سجّل مذكرات بطرس أو عظاته بعد استشهاده لما كان هناك دافع لإخفاء هذه الحقيقة، وكان يجب أن يشير القديس مرقس إلى ذلك، على الأقل من قبيل أمانته وتواضعه.

رابعًا: علل البعض أنها مذكرات بطرس بحجة أنها تحوي ضعفات بطرس وتغفل ما يمجده، وأن بطرس الرسول فعل هذا من قبيل تواضعه. ويُرد ذلك بالآتي:

  1. أن كاتبي الأسفار فوق المستوى الشخصي عند كتابتهم للأسفار، لذلك نجد موسى النبي يسجل بيده: "وأما الرجل موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (Numbers 12:3). وقد ذكر في أسفاره المعجزات التي صنعها الله على يديه، وظهور الله له، وأحاديثه معه، وقبول الله شفاعته، ومديح الله له، ولم يمنعه تواضعه من ذكر هذه الأمور. وفي نفس الوقت ذكر أيضًا ضعفاته كيف كان ثقيل الفم واللسان (Exodus 4:10)، وذكر خطيّته ومنع الله له من دخول أرض الموعد... إنهم كتبوا "مسوقين من الروح القدس" (2 Peter 1:21).

    وفي العهد الجديد نجد القديس يوحنا الحبيب لم يغفل وقوفه عند الصليب، ومخاطبة الرب له، وتسليمه أمه له (John 19:25-27)، ملقبًا نفسه "التلميذ الذي يسوع يحبه"، والذي "يتكئ في حضن يسوع" (John 13:3 - John 13:25).

  2. لم يغفل مار مرقس الرسول مديحه لبطرس الرسول، فذكر دعوة الرب له كأول دعوة (Mark 1:16-20)، ووضع اسمه في مقدمة أسماء الرسل (Mark 3:16)، وذكر أن الرب دخل بيته وشفي حماته كأول معجزة ذكرها مار مرقس للرب (Mark 1:29-31)... وذكر قول بطرس الرسول: "ها قد تركنا كل شيء وتبعناك" (Mark 10:28)، وذكره في مناسبات كثيرة مع يعقوب ويوحنا (Mark 5:37 - Mark 9:2-8 - Mark 14:32).

    خامسًا: علل بعض الدارسين أنها مذكرات بطرس لما حملته من شواهد داخليّة أن الكاتب شاهد عيان لكثير من الأحداث، فإن عرفنا القديس مار مرقس أحد السبعين رسولًا الذين اختارهم الرب ومركز والدته بين تابعي المسيح لأدركنا أن كثيرًا من الأحداث عرفها الرسول بنفسه أو خلال التلاميذ والرسل أو والدته أو من كانوا محيطين بالسيد.

سماته

أولًا: عرف المسيحيون الأُوَل كلمة "إنجيل" بمعنى "أخبار مفرحة للعالم"، وقد سبق لنا الحديث عن كلمة "إنجيل" في دراستنا للإنجيل حسب معلمنا متى البشير، أما القديس مرقس فكما يرى غالبيّة الدارسين هو أول من استخدم هذا التعبير ليقصد به السفر نفسه الذي يعرض حياة السيد المسيح كأخبار مفرحة للعالم. ويبدو أن هذه الكلمة كانت محببة جدًا لنفس هذا القديس، فنجده يضعها عنوانًا للسفر بقوله: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (Mark 1:1). كما كرَّر التعبير في أكثر من موضع، فحين تحدث عن حمل الصليب ذكر قول السيد: "مَنْ يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها" (Mark 8:35)، بينما لم يذكر الإنجيليان متى ولوقا تعبير "الإنجيل" في نفس الموضع (Matthew 16:25 - Luke 9:24). وأيضًا حين أورد حديث السيد المسيح عن الترك، قال: "ليس أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولًا لأجلي ولأجل الإنجيل إلاَّ ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان... وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (Mark 10:29)، وأيضًا لم يذكر متى الإنجيلي تعبير "إنجيل" في نفس الموضع (Matthew 19:29).

كثيرًا ما كرر كلمة "إنجيل (بشارة)" (Mark 1:14-15 - Mark 14:9)، فإذ كرز بين الأمم الوثنيين والفلاسفة خاصة في مدينة الإسكندرية كان لهذه الكلمة طعمًا خاصًا لديه، فقد شعر بالفرح الحقيقي الذي انفتح بابه على الأمم بمجيء السيد المسيح وتقديمه ذبيحة الصليب كسّر مصالحة الأمم والشعوب مع الله.

ثانيًا:إذ كتب القديس مرقس إنجيله للرومان نجده يتبع الآتي:

  1. يترجم الكلمات الآرامية التي لا يفهمها الرومان مثل "بوانرجس" (Mark 3:17)، "طليثا" (Mark 5:14)، "قربان" (Mark 7:14)، "إفثا" (Mark 7:34) Ἐφφαθά، "إلوي، إلوي، لما شبقتني" (Mark 15:34)، "جلجثة" (Mark 15:21)... فلو أنه كان يكتب لليهود لما كانت هناك حاجة لشرح معنى هذه الكلمات، إذ هي معروفة ودارجة عندهم.
  2. يشرح العادات اليهوديّة وأماكنهم وطوائفهم، الأمور التي يعرفها اليهود دون الرومان، فيوضح مفهوم النجاسة عند الفريسيّين واهتمامهم بالغسالات الخارجيّة (Mark 7:2-4)، وعادة ذبح الفصح في اليوم الأول من الفطير (Mark 14:12)، ومعنى كلمة "الاستعداد" (Mark 15:42)، وإنكار الصدوقيّين للقيامة (Mark 12:18). كما يسبق كلمة "الأردن" بكلمة "نهر" (Mark 1:5)، ويوضح أن جبل الزيتون هو تجاه الهيكل (Mark 13:3)، وأن بيت فا جي وبيت عنيا قريبتان من أورشليم (Mark 11:1).
  3. إذ كتب البشير متى لليهود اقتبس الكثير من العهد القديم، أما البشير مرقس فلم يقتبس الكثير إذ هو يكتب للأمم.
  4. لم يكتب القديس مرقس لليهود كرجال متدينين ولا لليونان كرجال فلسفة وفكر، وإنما للرومان وهم رجال عمل، لذلك جاء السفر صغيرًا في حجمه بلا مقدمات، اهتم بإبراز السيد المسيح في أعماله المستمرة أكثر منه في عظاته أو خطاباته.
  5. آمن الرومان بالقوة والسلطة كأصحاب سيادة في العالم في ذلك الحين، لذلك حدثهم الإنجيلي مرقس عن السيد المسيح كصاحب سلطان حقيقي، وقد ظهر هذا الخط واضحًا في السفر كله من بدايته حتى نهايته، فيظهر سلطانه على الشياطين (Mark 1:27) وعلى الأمراض (Mark 1:42) وعلى الطبيعة (Mark 4:39-41) وعلى النباتات (Mark 11:12-20) له سلطان في الهيكل (Mark 11:33)، وأيضًا على السبت كرب السبت (Mark 2:28). بسلطانه الحق يعرف أسرار الأفكار (Mark 2:8) ويعلن عن أسرار المستقبل (Mark 13)، قادر بسلطانه أن يشبع الجماهير (Mark 6:33-44 - Mark 8:1-9). آمن الرومان بالسيادة خلال العنف والكبرياء مع الاغتصاب، أما الإنجيلي فيعلن سلطان السيد المسيح خلال التواضع وخدمة الآخرين (Mark 9:33 - Mark 10:35 - Mark 10:45)، وقد جاءت فكرة الألم والصليب تسود السفر كله، فقد استوعبت آلام السيد حوالي ثلث السفر، وإن كان السفر ككل هو تهيئة للنفس لقبول المسيح الملك خلال الألم!
  6. قدم الإنجيلي مرقس هيرودس كعينه لملوكهم الذين يجتمع حولهم المتملقون للهو والرقص مع اتسامه بالعنف والقتل ظلمًا، بينما يقدم السيد المسيح الذي يملك ببشارة الملكوت، يجتذب النفس ويرويها فتبهر به. لذلك كثيرًا ما يُعلن الإنجيلي عن التفاف الجماهير حول السيد (Mark 1:28 - Mark 1:33 - Mark 1:45 - Mark 2:1-2 - Mark 3:7-9 - Mark 4:1-2 - Mark 6:32-34 - Mark 7:24 - Mark 9:15 - Mark 5:24). الكل يجري إليه حتى إن انفرد في موضع خلاء (Mark 6:32-34) أو أراد أن يختفي في بيت (Mark 7:24). ما أكثر المواضع التي أعلن فيها الإنجيلي أن الجماهير قد بُهتت إلى الغاية (Mark 1:22 - Mark 1:27 - Mark 4:41 - Mark 6:51 - Mark 10:24-26). إنه لا يفرض نفسه على الغير إنما يجتذب بحبه وتواضعه قلوب الكثيرين.
  7. ربما ركز الإنجيلي على إبراز الصراع بين السيد المسيح واليهود بطوائفهم ليشجع الرومان على قبول ذاك الذي رفضه اليهود، خاصة وأن السيد المسيح لم يقف ضعيفًا أمام مقاوميه من اليهود، بل كان يفحمهم. وحين صلبوه لم يفعلوا هذا عن ضعف من جانبه، إذ سبق فأعلن لتلاميذه عن صلبه، مؤكدًا ذلك ثلاث مرات (Mark 8:31 - Mark 9:31 - Mark 10:33-34)، موضحًا أنه يقوم من الأموات ويأتي بمجد أبيه مع الملائكة القديسين (Mark 8:38)، ويأتي على سحاب السماء (Mark 14:62). ومن جانب آخر أوضح اتجاه السيد نحو الأمم (Mark 7:24-30 - Mark 11:17 - Mark 13:10 - Mark 16:15). وقد جاءت الوصيّة الأخيرة: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (Mark 16:15).
  8. إذ وجه القديس مرقس إنجيله للرومان كشف عن جامعية رسالة الإنجيل لتضم الأمم أيضًا، لذلك كثيرًا ما يستخدم التعبيرين "كل"، "جميع" (Mark 1:5 - Mark 1:28 - Mark 1:33 - Mark 1:39 - Mark 2:13 - Mark 4:1 - Mark 6:33 - Mark 6:39 - Mark 6:41 - Mark 6:55 - Mark 13:10).

أخيرًا نردد ما قاله أحد الدارسين: "يظهر مرقس كلاهوتي خلاّق عاش وسط جماعة مسيحيّة من أصل أممي، لكنها لم تكن معتزلة عن اليهوديّة تمامًا، لها ثقافتها الخاصة النامية".

ثالثًا: إن كانت كلمة "إنجيل" محببة للغاية لدى القديس مرقس الإنجيلي، فإن الإيمان هو طريق التمتع بالإنجيل. وقد أبرز السفر بقوة كيف أن الإيمان هو طريق التمتع بالبركات الزمنيّة والروحيّة، وأن عدم إيمان الشعب حجب عنهم عمل السيد المسيح (Mark 6:1-6). ويرى بعض الدارسين أن السيد المسيح يظهر في هذا السفر كمن كرس حياته لإيقاظ إيمان الناس. ← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

رابعًا: السفر الذي بين أيدينا هو "إنجيل المسيح المتألم" يهيئ النفس لقبول إنجيل المسيح المتألم، لذلك احتلت أقوال السيد المسيح عن الألم مركزًا أساسيًا. فقد تحدث السيد عن آلامه بوضوح وفي صراحة في ثلاثة مواضع.

  1. في قيصريّة فيلبس (Mark 8:31).
  2. في تحركه نحو الجليل (Mark 9:31).
  3. في طريقه إلى المدينة المقدسة (Mark 10:33-34). قوبِل السيد المسيح في كل مرة، إما بالانتهار كما من سمعان بطرس، أو بالخوف وعدم الفهم من جانب التلاميذ، فقد كان سرّ الصليب غير مدرك بعد، بالرغم من أن السيد مهّد له مبكرًا في أكثر من موضع (See Mark 2:20 - Mark 3:6 - Mark 6:1-6 - Mark 6:14-29).

ويلاحظ أن إعلانات السيد المسيح عن الآلام ضمنت ثلاثة عناصر:

  1. دعوته نفسه أنه "ابن الإنسان" (Mark 8:31 - Mark 9:31 - Mark 10:45). فإن كان الإنجيلي قد افتتح السفر بإعلان أن السيد المسيح هو "ابن الله" (Mark 1:1)، فقد صار ابن الله ابن الإنسان ليُسلم نفسه في أيديّ بني الناس حتى تتحقق فيه إرادة أبيه (صلبه).
  2. تأكيد أنه يُقتل (Mark 8:31 - Mark 9:31 - Mark 10:34)، فقد جاء إلى العالم متجسدًا لهذه الغاية... تسليم نفسه ذبيحة، إذ هو الطريق الوحيد لإعلان محبته الخلاصيّة.
  3. تأكيد أنه بعد 3 أيام يقوم، فإنه لا يموت عن ضعف بل ليقيمنا معه

في دراستنا لصُلب السفر سيظهر بمشيئة الله الألم واضحًا للغاية عبر السفر كله، فإن تحدث عن مثل الكرم والكرامين أبرز أن الكرامين يضمرون قتل الوارث (Mark 12:7)، كما يعلن السيد عن نفسه أنه حجر الزاوية المرفوض (Mark 12:10)، وإن قدمت امرأة قارورة طيب ناردين تسكبه على رأسه إنما ليُعلن السيد: "قد سبقت ودهنت بالطيب جسدي للتكفين" (Mark 14:8) إلخ.

رأى بعض الدارسين السفر كله يدور حول آلام السيد المسيح وتذوقه مرارة الموت، فعلق أحدهم، قائلًا: "الإنجيل في كُليته هو شرح كيف جُرب يسوع"، وقال آخر أنه في مجمله عرض لآلام المسيح، إما خلال تجارب مباشرة من الشيطان أو خلال مصادر بشريّة.

هذه السمة دفعت البعض للاعتقاد بأن القديس مرقس كتب السفر لجماعة مسيحيّة متألمة، تقع تحت نير الاضطهاد، فقد هدف به إلى الكشف عن التزامها بممارسة شركة الآلام مع مسيحها المتألم والذي يدعو تلاميذه لقبول الآلام. لقب البعض هذا السفر "إنجيل الشهيد أي الإنجيل الذي وُضع لمساندة المسيحي وهو يواجه الاستشهاد وتشجيعه على ذلك. حقًا إنه لم يشرح فلسفة الألم، لا في حياة السيد المسيح، ولا في حياة تلاميذه كما في رسائل معلمنا بولس الرسول، لكنه أكَّد الالتزام بقبول الألم حسب المقاصد الإلهيّة.

خامسًا: إن كان معلمنا مرقس في إنجيله يكشف عن شخص ربنا يسوع بكونه العامل بلا انقطاع لحسابنا، فيورد 16 قصة عن معجزاته بخلاف تأكيده أنه شفي كثيرين وأخرج شياطين كثيرة (Mark 1:34-39 - Mark 3:10-11) لكن السفر في كُليته جاء يعلن ما قاله السيد: "لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم لن يُعطى هذا الجيل آية" (Mark 8:12).

يميز البعض بين عمل المعجزات سواء خلال الأشْفِية وإخراج الشياطين وبين تقديم آية أو علامة من السماء. فالمعجزات قدمها السيد من قبيل حبه وترفقه إذ رأى شعبه في حاجة لمن يسندهم، فما قدمه السيد إنما هو حنانه، وقد أبرز القديس مرقس الإنجيلي مشاعر السيد المسيح نحو شعبه، إذ كثيرًا ما يقول "تحنن عليهم" أو احتضن الأولاد إلخ. أما الآية التي كان الفريسيون يطلبونها وأيضًا هيرودس حين وقف أمامه إنما يقصد بها تحقيق عمل خارق بقصد الاستعراض، الأمر الذي رفضه السيد المسيح تمامًا، إذ يلاحظ في هذا السفر الآتي:

  1. تبع رفضه عمل آية حديثه مع تلاميذه أن يتحرزوا من خمير الفريسيّين وخمير هيرودس (Mark 8:15)، ففكروا قائلين بعضهم لبعض: ليس عندنا خبز، مع أن الإنجيلي يقول "لم يكن معهم في السفينة إلاَّ رغيف واحد" (Mark 8:14). وكأن الآية كانت بين أيديهم ولم يدركوها، إذ كان السيد المسيح هو "الرغيف الواحد" المكسور لأجلهم وهم لا يعلمون. لذا وبخهم السيد على عدم فهمهم (Mark 8:17-21). فالآية الحقيقيّة غير المنظورة هي "العمل الإفخارستي" أو الخبز المكسور الذي قدمه لهم .
  2. يرى بعض الدارسين أن السيد رفض تقديم آية من السماء، إذ يريد أن يركز أنظارهم عليه، فيقول أحدهم: "يسوع نفسه هو الآية الوحيدة للإنجيل... يليق بنا ألا نطلب معجزة أو آية منفصلة عن يسوع نفسه". لعل هذا الفكر جاء مستندًا على قول النبي: "ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (Isaiah 7:14). هذه الآية التي اشتهى أن يتمتع بها الأنبياء: الالتقاء مع كلمة الله المتجسد ربنا يسوع!
  3. رفض تقديم آية استعراضية، إذ جاء يطلب "الإيمان"، وكما رأينا أن إنجيل مار مرقس يدور حول الإيمان الذي يقوم على الثقة في المسيح القادر أن يشبع احتياجاتنا الداخليّة، لا الإيمان القائم على علامات وآيات منظورة. وإن كانت الجموع التي تعجب به وتُبهر منه (Mark 6:2)، سرعان ما تقاومه قائلين: "من أين لهذا هذه؟ وما هذه الحكمة التي أُعطيت له حتى تجري على يديه قوات مثل هذه؟ أليس هذا هو النجار ابن مريم...؟" (Mark 6:2-3). فالإيمان إذن لا يقوم على مجرد أن يُبهر الإنسان بآية أو معجزة، وإنما يقوم على اتكاء صادق على صدر الرب المشبع للنفس.
  4. طلب رؤساء الكهنة مع الكتبة آية في لحظات الصلب، قائلين: "لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن" (Mark 15:32) طلبوا آية منظورة أن ينزل عن الصليب، خلالها يؤمنون به، ولم يدركوا أنه لو فعل ذلك لبهرهم كما لو كان إنسانًا فائقًا للطبيعة "سوبرمان" ولكن ما كان يحقق عمله بكونه المسيح ملك اليهود روحيًا! رفض السيد أن يتمم آية منظورة بنزوله عن الصليب، فإذا به يجتذب خلال مجد الصليب قلب اللص اليمين وأيضًا قائد المائة ويشق حجاب الهيكل. أضاء مجد الصليب، لا ليبهر الناس، إنما ليجتذب ملايين النفوس إلى الإيمان، وكأن الصليب قد صار الإعلان الحقيقي والعلامة أو الآية التي تمت لا بنزوله عنه، وإنما بإعلان حبه وتواضعه وبذله حتى الموت ليقيمنا من موتنا. ما فعله هنا رؤساء الكهنة والكتبة، إنما هو امتداد لحديث عدو الخير مع السيد المسيح الذي طلب منه أن يلقي بنفسه من جناح الهيكل ليبهر الجماهير فتؤمن به. لكن طريق السيد المسيح هو طريق الصليب لا إبهار الناس بعلامات فائقة!
  5. حقًا قبيل صلبه قدَّم لتلاميذه آية هي تجليه أمامهم، لكنه حتى في هذا العمل لم يهدف نحو تقديم آية باهرة وإنما كشف حقائق إيمانيّة تمس حياتهم معه، فلو أراد إبهار الناس لحقق التجلي، لا أمام ثلاثة من تلاميذه أو حتى جميع تلاميذه ورسله، وإنما بالحري كان يتجلى أمام الجماهير غير المحصيّة ليبهرهم بمجده. بمعنى آخر ما قدمه في التجلي ليس آية ليبهر الناظرين إنما عطيّة وإعلان إلهي وكشف. أمور تُقَدَّم لمن يلتقي معه في حياة سريّة خفيّة داخليّة، ينعم بها ليمارس الحياة السماويّة الفائقة. في كلمات أخرى لم يقدم التجلي لينال السيد دهشة الغير وإعجابهم، وإنما ليسحب قلوبهم إلى حياة الشركة مع الآب في ابنه بالروح القدس كحياة عمليّة وخبرة صادقة. وحين التقت المرأة نازفة الدم بالسيد تمتعت بقوة خرجت منه (Mark 5:30)، لا خلال علامة أو آية ظاهرة تمتعت بها، وإنما خلال إيمانها بالقادر أن يشفي.

أخيرًا إن كان السيد قد رفض تقديم آية من السماء أو علامة يؤكد بها شخصه، فإن أضداد المسيح والأنبياء الكذبة على العكس يقدمون الآيات ليخدعوا إن أمكن حتى المختارين (Mark 13:21-23).

سادسًا: استدعى نظر بعض الدارسين أن الإنجيلي مرقس عبَّر عن اعتقاده بأن السيد المسيح قد أراد أن تبقى طبيعته بكونه المسيح ابن الله سرًا لا يود إعلانها حتى قيامته. فقد جاء تحليلW. Wred) لإنجيل مرقس يرتكز على أربعة أمور رئيسيّة هي أن السيد رفض الإفصاح عن سره أنه المسيح مدة خدمته على الأرض، وإنه أعلن هذا السرّ لتلاميذه دون الجماهير. مع ذلك حتى التلاميذ لم يستطيعوا إدراكه، وأن الشياطين قد عرفته، لكنه كان ينتهرها، ولم يدعها تشهد له، وأن أعمال الشفاء التي صنعها كانت تعلن عن هذا السرّ، لهذا كثيرًا ما كان يطلب من المتمتعين بالشفاء ألاَّ يُعلنوا ذلك.

رأى دارس آخر إن عقيدة الإنجيلي مرقس بخصوص سريّة طبيعة السيد المسيح وإخفاء السيد لها تظهر من العلامات التالية: أ. إذ عرفته الشياطين منعها من الإخبار عنه (Mark 1:25 - Mark 1:34 - Mark 3:12). ب. كان السيد المسيح يتجنب الإعلان عن معجزاته وأشفيته (Mark 1:44 - Mark 5:43 - Mark 7:36 - Mark 8:26) إلاَّ في حالة واحدة إذ كان المتمتع بالشفاء غالبًا أمميًا أو يسكن بين الأمم (Mark 5:19-20). ج. يميل السيد في الغالب إلى الانسحاب من الجماهير (Mark 1:35 - Mark 3:7 - Mark 4:35 - Mark 6:31 - Mark 7:24 - Mark 8:27 - Mark 9:30). د. رفضه تقديم آية لذلك الجيل (Mark 8:21). ه. في أكثر من مرة كان يقدم تعليمًا خاصًا لتلاميذه على انفراد (Mark 4:33-34 - Mark 7:17-23 - Mark 9:28-31)، أما أمثاله التي يقدمها للجماهير، فكانت تحمل معانٍ سريّة غير مدركة (Mark 4:10-13). و. عدم إدراك الجماهير لأمثاله سره قسوة قلب الشعب اليهودي أو على الأقل قسوة قلب قادتهم (Mark 3:5 - Mark 7:6-7). ز. رفض السيد المسيح الإعلان عن طبيعته حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات (Mark 8:30 - Mark 9:9). ولعل سرّ إخفائه لطبيعته يقوم على أساس روحي، وهو أن السيد المسيح صاحب السلطان الحقيقي لا يطلب أمجادًا زمنيّة، بل سلك في تواضع، حتى متى قام يكشف عن طبيعته، لا ليتمجد ظاهريًا، وإنما لكي يمجد الذين يؤمنون به، ويتمتعون بقوة قيامته أو بحياته المقامة عاملة فيهم. ومن جانب آخر، لعل إخفاءه الأمر كان لكي تتم مقاصده الإلهيّة من جهة صلبه، إذ يقول الرسول بولس عن اليهود أنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1 Corinthians 2:8).

سابعًا: إن كان هذا السفر قد أبرز شخص السيد المسيح كخادم البشريّة فقد جاء كمعلم لا بالعظات والوصايا فحسب وإنما بالحب العملي والحنان الإلهي في قوة وسلطان، يجتذب النفوس إليه. وردت كلمة "يُعَلِّم" باليونانيّة "ديدسقلون" في هذا السفر أكثر من أي سفر آخر في العهد الجديد،إذتكرر هذا الفعل 15 مرة، كما دُعي السيد المسيح معلمًا 12 مرة، ليس فقط من السيد نفسه (Mark 14:14) ومن تلاميذه وجموع الشعب، وإنما حتى من المقاومين له كالفريسيّين والهيرودسيّين والصدوقيّين والكتبة. قدَّمه لنا هذا السفر معلمًا يتحرك في كل اتجاه تارة يعلم في المجمع والهيكل (Mark 1:21 - Mark 6:2 - Mark 11:7 - Mark 12:35 - Mark 14:39)، وثانية نحو الجموع (Mark 2:13-14 - Mark 6:34 - Mark 10:1)، وثالثة نحو تلاميذه (Mark 6:30).

في تعليمه لم يستخدم النظام الخاص بالحاخامات، فيتبعه تلاميذه كحاخام أو رباني جديد يسمعون له، وإنما يعيشون معه ويصاحبونه في شركة عمليّة. أما موضوع تعليمه الرئيسي فهو ليس مجموعة من التعاليم والوصايا بقدر ما هي تقديم نفسه ليقبلونه، وان كانوا لم يتعرفوا عليه حقًا إلاَّ بعد قيامته. لقد قدم نفسه كمتألمٍ، وحثَّهم على الشركة معه في آلامه (Mark 8:34 - Mark 9:31 - Mark 10:32, etc.). هذا هو موضوع تعليمه لهم، وهو المكافأة، يقبلونه في حياتهم بصليبه وآلامه.

أخيرًا فإنه كمعلمٍ جاء فريدًا في سلطانه، فإن كان اليهود كما الأمم قد اعتقدوا أن صراعًا مرًا يقوم بين الخالق وقوى الشر الخفيّة الفائقة، جاء السيد يطرد بسلطان الأرواح الشريرة، مطهرًا الخليقة التي استخدمها عدو الخير مراكز عمل له. لقد غلب قوى الشر الخفيّة، وطردها من خليقته، أما غلبته على القيادات اليهوديّة المقاومة وإفحامهم، إنما لكونها وكالات عمل لحساب قوى الشر.

بهذا يكون هذا السفر في جوهره ليس عرضًا لحياة المعلم، بل هو إنجيل الغلبة على قوات الشر وخلاص الخليقة من سلطانها خلال التمتع بالمعلم شخصيًا كغالبٍ ومنتصرٍ!

ثامنًا: إن كان الإنجيل بحسب مرقس قد اتسم بالاختصار الشديد، لكنه في نفس الوقت اتسم بالتدقيق والتوضيح، فيذكر أن متى العشار هو ابن حلفي (Mark 2:14)، وبارتيماوس الأعمى ابن تيماوس (Mark 10:46)، وسمعان القيرواني هو أبو الكسندروس وروفس (Mark 5:21). وعندما يصف معجزة إشباع الجموع يدقق أنهم اتكأوا مئة مئة، خمسين خمسين (Mark 6:39-40). كما دقق في إعلان مشاعر السيد المسيح كمن كان معاينًا لتصرفاته مدركًا أنه محب البشر. يكشف عنه إنه يشاركنا عواطفنا وأحاسيسنا كمن هو قريب منا جدًا، فيقول عنه أن تحنن (Mark 1:2)، وأشفق (Mark 8:2)، وانتهر (Mark 1:43)، ونظر إلى الشاب وأحبه (Mark 10:21)، واحتضن الأولاد (Mark 9:36 - Mark 10:16).

تاسعًا: كان مغرمًا باستخدام التعبيرين: "للوقت" و"في الحال"، ليضع في نفس القارئ ذات الأثر الذي يشعر هو به. كما استخدم صيغة المضارع في سرد بعض الأحداث ليجعل منها واقعًا يحمل حركة مستمرة.

عاشرًا: انفرد بذكر معجزتين هما: شفاء الأصم الأعقد (Mark 7:31-37)، وتفتيح عيني أعمى بيت صيدا (Mark 8:22-26)، كما انفرد بذكر مثل الحقل الذي ينمو زرعه دون أن يدري الزارع كيفيّة نموه (Mark 4:26-29).

أقسامه ومحتوياته
† بدء الخدمة ص 1: 1 - 13
† خدمته في الجليل ص 1: 14 - 6: 30
† انسحابه من الجليل ص 6: 31 - 9: 50
† خدمته في بيرية ص 10
† خدمته في أورشليم ص 11 - 13
† آلام السيد وقيامته ص 14 – 16
✝ St. Luke

كلمة "لوقا" غالبًا اختصار للكلمة اللاتينية "لوقانوس Lucanus" أو "لوكيوس"، وتعني "حامل النور " أو "المستنير ". غير أنه يجب التمييز بين لوقا الإنجيلي ولوكيوس المذكور في (Acts 13:1)، وأيضًا لوكيوس المذكور في ( Romans 6:21) .





هو الوحيد بين كتَّاب العهد الجديد الذي كان أمميًا ولم يكن يهوديًا بل، غالبًا من إنطاكية سوريا؛ قَبِل الإيمان المسيحي دون أن يتهوّد. ويعلّل الدارسون ذلك بأن الرسول بولس حين أشار إليه في رسالته إلى كولوسي (Colossians 4:14). لم يضمُّه إلى مَن هم من أهل الختان (Colossians 4:10-11) مثل أرسترخس ومرقس ابن أخت برنابا ويسوع المدعو يسطس .

رأى البعض أنه كان أحد السبعين رسولًا، بل وأحد التلميذين اللذين ظهر لهما السيد بعد قيامته في طريقهما إلى عمواس (Luke 24:13)، وأن الرسول لم يذكر اسمه بروح التواضع؛ غير أن الرأي الغالب بين الدارسين المحدثين أنه لم يكن من الرسل، بل قَبِل الإيمان على يديّ الرسول بولس، مدلّلين على ذلك أولًا بافتقار السند التاريخي، وثانيًا لأن هذا الفكر يبدو متعارضًا مع مقدمة الإنجيل، إذ يقول الكاتب عن الأمور المختصة بالسيد المسيح: "كما سلّمها إلينا الذين كانوا من البدء معاينين وخدامًا للكلمة" ( Luke 1:2)، وكأن الكاتب لم ينظر السيد المسيح بل سجّل ما تسلمه خلال التقليد بتدقيقٍ شديدٍ وتحقق من الذين عاينوا بأنفسهم. ولعلّه لهذا السبب يُعلق أحد الدارسين على هذا الإنجيل بقوله: "إنه عمل وليد إيمان الجماعة، قام على التقليد، وليس عملًا فرديًا".

كان القديس لوقا طبيبًا (Colossians 4:14)، ورسّامًا، جاء في التقليد أنه رسم أيقونة السيدة العذراء.

ارتبط القدس لوقا بالقديس بولس رسول الأمم بصداقة قوية، ففي سفر الأعمال أقلع الإنجيلي لوقا مع الرسول بولس من ترواس إلى ساموتراكي ثم إلى نيابوليس، ومن هناك إلى فيلبي(Acts 16:10-39) الرحلة التبشيرية الثانية. مرة أخرى في رحلة الرسول بولس التبشيرية الثالثة عند رجوعه تبعه الإنجيلي لوقا من فيلبى إلى أورشليم (Acts 20:5), (Acts 21:18). كما نراه مرافقًا له في روما عند الأسر (Acts 28:30). وكان معه في لحظاته الأخيرة، إذ يقول في رسالته الوداعية: "لوقا وحده معي" هكذا ارتبط الاثنان معًا، فسجل لنا الإنجيلي لوقا الكثير من عمل الله الكرازي خلال الرسول بولس في سفر الأعمال؛ ودعاه الرسول بولس: "الطبيب الحبيب" (Colossians 4:14)، كما دعاه بالعامل معه (Philemon 1:24)

قيل أنه عاش بتولًا، عمل في أخائية (باليونان)، استشهد في الرابعة والثمانين من عمره وأن الإمبراطور قسطنطينوس الثاني نقل رفاته إلى القسطنطينية عام 357 م.، وفي عام 1177 م. نقلت إلى Padau بإيطاليا.

الانجيل بحسب القديس لوقا البشير

† الأصحاح الأول البشارة بالتجسّد
† الأصحاح الثاني ميلاد الصديق السماوي
† الأصحاح الثالث الإعلان عن الصديق السماوي
† الأصحاح الرابع صديقنا يُجُرِّب مثلنا
† الأصحاح الخامس يسوع يسند المُتعبين
† الأصحاح السادس الصديق المعلِّم
† الأصحاح السابع صديق الجميع
† الأصحاح الثامن الصديق العامل بلا انقطاع
† الأصحاح التاسع صديقنا السماوي والتلاميذ
† الأصحاح العاشر الإرساليَّة الثانية
† الأصحاح الحادي عشر العبادة الروحيَّة
† الأصحاح الثاني عشر الصديق السماوي والقطيع الصغير
† الأصحاح الثالث عشر التوبة العاملة
† الأصحاح الرابع عشر أساسيات الصداقة الإلهيَّة
† الأصحاح الخامس عشر صداقته للخطاة
† الأصحاح السادس عشر اغتصاب الصداقة الإلهيَّة
† الأصحاح السابع عشر الإيمان والصداقة الإلهية
† الأصحاح الثامن عشر الصلاة الحية والصداقة الإلهية
† الأصحاح التاسع عشر صديقنا في أورشليم
† الإصحاح العشرون مقاومو الصداقة الإلهية
† الإصحاح الحادي والعشرون صديقنا السماوي ومجيئه الأخير
† الإصحاح الثاني والعشرون الصديق المتألم
† الإصحاح الثالث والعشرون الصديق المصلوب
† الإصحاح الرابع والعشرون صديقنا القائم من الأموات


نسبة السفْر إليه

جاءت شهادة الكنيسة في القرون الأولى واضحة أن الكاتب هو لوقا البشير، كاتب سفر الأعمال ورفيق الرسول بولس، كما يظهر من كتابات الآباء يوستين الشهيد وإيريناؤس وأوريجينوس وترتليان.

بجانب هذه الأدلة الخارجية، السفر نفسه يحمل دلائل على أن كاتبه هو معلمنا لوقا. فمنها أن هذا السفر موجّه إلى "ثيؤفيلس" نفس الشخص الذي وُجّه إليه سفر أعمال الرسل، بل وجاءت مقدمة سفر الأعمال تكمل خاتمة إنجيل لوقا، فالكاتب واحد. والسفران متشابهان في اللغة والأسلوب والأفكار. هذا والتعبيرات الدقيقة التي استخدمها في وصف الأمراض التي شفاها السيد المسيح تدل على أن الكاتب طبيب، فكطبيب احترامًا منه لمهنة الطب لم يقل ما ذكره مرقس الرسول عن نازفة الدم: "قد تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا، بل صارت إلى حال أردأ" (Mark 5:26)، إنما اكتفى بالقول: "قد أنفقت كل معيشتها للأطباء، ولم تقدر أن تُشفي من أحد" (Luke 8:43).

تاريخ كتابته
لا يوجد تقليد ثابت بخصوص تاريخ كتابته أو مكان كتابه، فالقديس إيريناؤس يرى أنه كُتب قبل استشهاد القديس بولس، بينما القديس جيروم معتمدًا على المؤرخ يوسابيوس القيصري يراه كتب بعد استشهاد الرسول بولس

لما كان هذا الإنجيل قد كُتب قبل سفر الأعمال، وكُتب الأعمال قبل استشهاد الرسول بولس حتى أنه لم يشر إلى هذا الحدث، لهذا اعتقد كثير من الدرسين أنه كتب ما بين عام 63 و67 م. كتبه غالبًا في روما، وإن كان قد رأى البعض أنه كُتب في أخائية أو في الإسكندرية.

غايته

إن كان معلمنا متى البشير كيهودي كتب لليهود ليعلن أن يسوع هو المسّيا الملك، الذي طالما ترقّب الآباء والأنبياء مجيئه، ليكون لهم نصيب في ملكوته الروحي الأبدي، فإن مار مرقس كتب للرومان ليُعلن أن يسوع هذا هو الخادم العامل، لا بروح السلطة الزمنية والتشامخ والعنف، بل بروح البذل، فيخلص بأعمال محبته لا بجيوش وقوات زمنية. أما معلمنا لوقا البشير فكأممي طبيب مثقف أراد أن يخدم أصحاب الفكر الهيليني، فكتب لليونان عن السيد المسيح بكونه "صديق البشرية كلها"، يقدم لها أعماله الإلهية الخلاصية، لتحقيق ما عجزت عنه الفلسفة اليونانية والحكمة البشرية.

لهذا يُدعى هذا الإنجيل: "إنجيل الصداقة الإلهية" أو "إنجيل المسيح المخلص". كما دُعي بالإنجيل المسكوني بكونه يمثّل دعوة للبشرية كلها لتقبل نداء صديقها السماوي، لتتجاوب مع عمله الخلاصي خلال الحب. هذه الغاية سنراها واضحة خلال حديثنا عن سمات هذا السفر.

لقد ظن البعض أن لوقا هذا كان عبدًا لسيده ثاؤفيلس الأممي، وإذ عالجه كطبيب وشُفي كافأه بالعتق من العبودية، فبعث إليه الطبيب لوقا هذا الإنجيل علامة امتنانه وشكره. وآخرون قالوا أن كلمة "ثاؤفيلس" وهي تعني "المحب لله" إنما هو اسم استنكاري لأحد أشراف الإسكندرية لم يفصح عنه الإنجيلي حتى لا يتعرض لمتاعب بسبب مسيحيته. على أي الأحوال، فإن هذا السفر موجه للأمم بوجه عام ليتمتعوا بصديقهم السماوي كمخلص لنفوسهم.

سماته
  • إذ قدّم لنا الإنجيلي السيد المسيح بكونه "المخلص صديق البشرية"، كثيرًا ما حدثنا عن "ابن الإنسان" جاء إلينا يحمل إنسانيتنا لكي يهبنا شركة الطبيعة الإلهية. فإن كانت الفلسفات اليونانية قدمت أفكارًا مجردة، لكنها لا تستطيع أن تحتل القلب وتُغير الأعماق، أما ابن الإنسان فجاء صديقًا للإنسان حتى يقبله في داخله، فيهبه خلال هذه الصداقة الفريدة إمكانيات فائقة تعمل في أعماقه وتنعكس على تصرفاته. دعوته للسيد "ابن الإنسان" تحطّم شعورنا بغربتنا عن الله، أو غربته عنّا إذ نزل إلينا ليرافقنا طريقنا.
  • أهم سمة لهذا الإنجيل إنه إذ يقدم "المخلص الصديق" يقدمه للبشرية كلها، فهو إنجيل مسكوني. هو دعوة للجميع وليس لليهود فقط. لهذا نلاحظ فيه الآتي:
    1. إذ كان اليهود يتطلعون إلى أنفسهم أنهم أبرار وبقية الشعوب خطاة، يعلن الإنجيلي أن السيد المسيح هو "صديق الخطاة"، فانفرد بقوله أن ابن الإنسان، قد جاء يطلب ويخلص ما قد هلك (Luke 19:10)، كما قدّم لنا مجموعة كبيرة من أقوال السيد وأمثاله توضح صداقة يسوع المسيح وحنوّه على الخطاة، مثل المثل الخاص بطول الأناة على شجرة التين العقيمة (Luke 13:6–9)، مثل الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال (Luke 15:1)؛ كما قدّم لنا قصة المرأة الخاطئة (Luke 7:36–50)، وتوبة زكا العشار (Luke 19:1–10)، والوعد للّص التائب على الصليب (Luke 23:40–43) إلخ.
    2. اقتبس العبارات والأحداث التي تفتح أبواب الرجاء للأمم، كقول إشعياء النبي: "كل جسد يرى خلاص الرب"، ورسالة إيليا النبي إلى أرملة صرفة صيدا الأممية (Luke 4:25)، ورسالة إليشع إلى نعمان السرياني الوثني الأممي (Luke 4:27)..
    3. ذكر إرسالية السبعين رسولًا، فإن كان الإثنا عشر تلميذًا يمثلون دعوة اليهود (الاثني عشر سبطًا) فإن رقم 70 يشير إلى ملء الأمم.
    4. في نسب السيد المسيح لم يبدأ بإبراهيم بل بآدم أب كل البشرية (Luke 3:38).
  • إذ هو سفر الصداقة الإلهية المتّجهة نحو الإنسان، فإن هذه الصداقة مقدّمة أيضًا للأطفال والنساء، مقدسًا الطفولة، ورافعًا من شأن المرأة ودورها الإيجابي، كما أعطى اهتمامًا خاصًا بالفقراء والمعوزين والمطرودين والمنفيين:
    1. من جهة الأطفال انفرد بذكر ميلاد يوحنا المعمدان وطفولته، وأيضًا بشارة العذراء بميلاد الطفل يسوع في شيء من التفصيل، وابتهاج الجنين في أحشاء أليصابات عند دخول القديسة مريم وسلامها على أليصابات، وختان الطفل يسوع، ودخوله الهيكل مع القديسة مريم في يوم الأربعين، وذهابه الهيكل في الثانية عشر من عمره إلخ.
    2. من جهة المرأة فقد لاحظ بعض الدارسين أن لوقا البشير إذ قدّم إنجيله المسكوني (الجامعي) أعطى اهتمامًا خاصًا بالمرأة أكثر من بقية الإنجيليين. ففي العالم الهيليني يبدو أن مركز المرأة اجتماعيًا وقانونيًا أفضل منه عند اليهود في ذلك الحين، لذلك أراد الإنجيلي إظهار أن الرسالة الإنجيلية لا تحدّها التقاليد اليهودية. انفرد الإنجيلي بذكر حنّة الأرملة المتعبدة في الهيكل (Luke 2:36)، كما سجّل لنا خدمة مرثا وجلوس مريم أختها عند قدميّ المخلص تنعم بكلماته.
    3. اهتم الإنجيلي بالفقراء والمعوزّين والمطرودين والمنفيين. فأُرسلت البشارة إلى فتاة الناصرة الفقيرة، واهتمت الملائكة بالرعاة البسطاء، وحدّثنا السيد عن الغني ولعازر المسكين، ووليمة العُرج والعُمي والعُسم، ومثل السامري لصالح، ومثل العشار، وقصة الزانية في بيت سمعان الفريسي، ومثل الابن الضال، وقصة مريم المجدلية، وقبول اللص التائب على الصليب إلخ. يقول أحد الدارسين: [لقد ظهر اهتمامًا بالأقلّيات والجماعات المعزولة والمنبوذة، مثل السامريين والبرص والعشارين والجنود، وعامة الخطاة الذين في خزي، والرعاة الأممين والفقراء، وهؤلاء جميعًا يجدون تشجيعًا في هذا الإنجيل

  • يرى البعض مثل Leon-Dufour أنه يمكن إطلاق تعبير "الإنجيل الاجتماعي" على إنجيل معلمنا لوقا البشير في شيء من التحفظ، معلّلًا ذلك بأنه قد عرض الكثير عن الالتزام بالعطاء للفقراء (Luke 3:10 Luke 14:12–14)، معلنًا عقوبة من لا يساهم في احتياجاتهم (Luke 16:25)، كما أبرز الالتزام بعدم الظلم أو الوشاية (Luke 3:10–14).

    يصعب أن ندعو إنجيلًا بأنه اجتماعي وآخر أنه روحي، فإن الحياة الإيمانية وحدة واحدة لا تتجزأ. إن قُدّم العمل الروحي فلا يتجاهل الجانب الاجتماعي، والعكس إن قُدّم عمل اجتماعي فمن واقع روحي. فما أبرزه الإنجيل بخصوص الاهتمام بالفقراء والمعوزين والمتألمين والمظلومين، إنما هو ثمر طبيعي لتذوقنا صداقة السيد المسيح لنا، بكونه الصديق المهتم بالجميع خاصة المحتاجين روحيًّا أو ماديًّا أو اجتماعيًّا أو نفسيًّا. فيليق بنا كأصدقاء للسيد المسيح أن نردّ حبه بالحب، ونحمل سماته فينا، فما يُقدمه لنا يحملنا أن نقدّمه بصورة أو بأخرى لإخوتنا..

  • كصديقٍ لنا ليس فقط يقدم لنا السيد المسيح الخلاص على الصليب، إنما خلال هذا الحب الذي يدخل إلى حياتنا اليومية، نراه يشاركنا حتى في ولائمنا ويدخل بيوتنا. فنجده يتناول العشاء في بيت سمعان الفريسي، ويقبل وليمة زكا العشار، ويستجيب لدعوة تلميذي عمواس واستضافتهما له.

    وكصديق لنا لا يطلب العنف ولا يقبل التعصب، فنراه يوبِّخ يوحنا لأنه طلب نارًا تأكل أهل السامرة (Luke 9:54)، وزجر التلاميذ قائلًا: "من ليس علينا فهو معنا" (Luke 9:50). إنه "إنجيل الرحمة" أي "إنجيل الغفران العظيم".

    وكصديق لنا يشتاق أن نقبل صداقته ونتجاوب مع حبه، لذا كثيرًا ما يثيرنا لقبول هذه الصداقة بتقديم مقارنات مثل:
    1. سمعان الفريسي والمرأة الخاطئة، فقد قدّم الأول بيته ومائدته دون قلبه، أما المرأة بالرغم من عطاياها الكثيرة لكنها عرفت بالحب أن تتمتع بالصداقة والغفران.
    2. الفريسي والعشار، الأول دخل الهيكل وله أعمال ناموسية يعتز بها، لكن في كبريائه لم يقدر أن يصادق الرب، بينما استطاع العشّار وهو في آخر صف أن يدخل إلى قلب الصديق الأعظم خلال التواضع.
    3. السامري الصالح واللاوي والكاهن، تمتع الأول بالدخول في هذه الصداقة والتجاوب معها خلال اتساع قلبه للبشرية، بينما خسر رجلي الدين الصداقة خلال ضيق قلبيهما.
    4. الابن الضال والابن الأكبر، نال الأول البركة وتمتع بالصداقة خلال التوبة والرجوع، بينما فقد الابن الأكبر علاقته بالأب بسبب كبريائه.
    5. اللص التائب واللص الهالك، اغتصب الأول الملكوت في اللحظات الأخيرة.
    6. التطويبات والويلات.

  • إن كان الفكر اليوناني قد ساد العالم في ذلك الحين، لكنه لم يقدّم للبشرية شعبًا صادقًا، وفرحًا حقيقيًا، وعاش الإنسان يطلب كل يوم فلسفة جديدة أو فكرًا لم يُسمع عنه من قبل. لذلك كتب الإنجيلي لوقا هذا السفر ليعلن أن المسيح صديق البشرية، هو واهب الفرح الداخلي والتسبيح. فقد ضمّ الكثير من التسابيح التي تعتز بها الكنيسة وتستخدمها في عبادتها وليتورجياتها، مثل تسبحة الميلاد الملائكية (Luke 2:14)، وتسبحة زكريا (Luke 1:68–79)، وتسبحة القديسة مريم (Luke 1:46–55)، وتسبحة سمعان الشيخ (Luke 2:29–32).

    مجيء الصديق المخلص خلق جوًا من الفرح. فقد افتتح السفر بحديث الملاك لزكريا الكاهن عن القديس يوحنا السابق لهذا الصديق المخلص، قائلًا: "ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته" (Luke 1:14). كما يروي أن ولادته قد أصبغت فرحًا على الكثيرين (Luke 1:58). أما ميلاد السيد فرافقه انفتاح السماء على الأرض للكرازة بها:

    "ها أنا أبشركم بفرحٍ عظيمٍ يكون لجميع الشعب" (Luke 2:10). وعندما عاد الرسل السبعين من كرازتهم يقول: "فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" (Luke 10:17)، بل قيل: "وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح، وقال: "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفُهماء وأعلنتها للأطفال، نعم أيها الآب هكذا صارت المسرة أمامك" (Luke 10:21). وكأن الكرازة بهذا الصديق الفريد قد هلّلت قلب المخلص نفسه من أجل البسطاء، وهي موضع سرور الآب، بل أعلن أنه يكون فرح حتى في السماء عند توبة الخطاة (Luke 15:7) - (Luke 15:10) - (Luke 15:32).

    إنه فرح داخلي يملأ قلب الخاطئ التائب، عندما يجد في صديقه كل الشبع، إذ قيل عن زكا: "فأسرع ونزل وقبله فرحًا" (Luke 19:6). وفرح للجماعة كلها، إذ قيل: "وفرح كل الجمع بجميع الأعمال المجيدة الكائنة منه" (Luke 13:7). كما قيل عن دخوله أورشليم: "ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات التي نظروا" (Luke 19:37). وقد ختم السفر بالفرح بالصديق القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات، إذ قيل عن التلاميذ حين ظهر لهم صديقهم العجيب: "وبينما هم غير مصدّقين من الفرح ومتعجبون..." (Luke 24:41). وأيضًا بعد صعوده مباشرة: "رجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ" (Luke 24:51).

    هكذا جاء السيد المسيح يحقق سرور الآب، ويفرح هو بالبشرية المخلَّصة بدمه، وتفرح معه السماء، كما ملأ تلاميذه ورسله فرحًا وسكب على كنيسته بهجته، وأيضًا على الخطاة التائبين. ولكي يميز بين هذا الفرح وفرح العالم المؤقت ضرب لنا مثل الغني الغبي الذي قال لنفسه: "استريحي وكلي واشربي وافرحي" (Luke 12:19)؛ لكنه لم يستطع أن يفرح، إذ سمع الصوت الإلهي: "يا غبي هذه الليلة تُطلب نفسك منك" (Luke 12:20). هذا كله دفع البعض إلى تلقيبه "إنجيل الفرح المسيحاني".

  • إذ جاء السيد المسيح صديقًا لنا، قدّم لنا نفسه مثالًا، فظهر كمصلّي في مواقف كثيرة منها عند عماده (Luke 3:21)، وبعد تطهير الأبرص، وقبل دعوة الاثني عشر تلميذًا (Luke 6:12)، وعند التجلي (Luke 9:28)، وعلى الصليب من أجل صالبيه، وفي اللحظات الأخيرة من حياته على الأرض. لقد أراد أن يعلن "الصلاة" كسِرّ لصلتنا بالله وصداقتنا معه. ظهور السيد كمصلّي إنما يعني أيضًا أنه حملنا فيه لننعم بالاتصال بالآب.

    في هذا السفر يحدثنا السيد عن الصلاة أكثر من بقية الأسفار، فوَرد فيه الصلاة الربانية، وشدّد على ضرورة الاستمرار في الصلاة والمثابرة فيها، مقدمًا مثَل الصديق المحتاج لثلاثة أرغفة يذهب إلى صديقه ويطلب بلجاجة، ومثَل قاضي الظلم الذي استمع للأرملة من أجل لجاجتها.

  • ساد في الكنيسة الأولى إحساس بأن قدوم السيد المسيح اقترب جدًا، وأنه يتحقق في العصر الرسولي، الأمر الذي عالجه الرسول بولس في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي، مؤكدًا أن السيد لن يأتي إلا بعد ظهور إنسان الخطية، وتحقق حركة الارتداد فإن معلمنا لوقا حمل ذات الاتجاه معلنًا في هذا السفر كما في سفر الأعمال أن موت السيد وقيامته وصعوده المجيد، لا يعني مجيئه الثاني في الحال. ولا بعد خراب أورشليم مباشرة، إذ أساء البعض فهم كلمات الإنجيلي مرقس (Mark 14:62) - (Mark 9:1)، فقد أعلن أن ملكوت المسيا حقيقة واقعة تتم أولًا في الكنيسة هنا، وتتحقق في القلب، وينضم إلى الكنيسة كل يوم الذين يخلصون. كأن مجيء السيد يتحقق أولًا بحلوله في قلوب المختارين، وإذ يكمل عمله هنا في العالم يأتي على السحاب.

  • يرى بعض الدارسين أن إنجيل لوقا جاء مطابقًا للأسفار الستة الأولى من العهد القديم هكذا:
    1. سفر التكوين الجديد يصف ميلاد السيد المسيح وطفولته، هذا الذي به تتحقق الخليقة الجديدة، فبظهور آدم الثاني انطلقت البشرية إلى عالم جديد.
    2. الخروج الجديد تحقق بتجربة السيد المسيح في البرية أربعين يومًا، حيث غلب لحسابنا، مقابل تيه شعب إسرائيل أربعين سنة بعد خروجهم وسقوطهم المستمر في التذمر.
    3. سفر اللاويين الجديد هو إقامة الاثني عشر تلميذًا، وتقديم العظة الخاصة بسيامتهم كسفر اللاويين آخر (Luke 6:20).
    4. سفر العدد الجديد هو إرسالية السبعين رسولًا.
    5. القسم الخاص بسفر التثنية يمثل النصيب الأكبر من الإنجيل حيث يضم أجزاء كثيرة من تعاليم السيد خاصة في (Luke 9:51) - (Luke 18:14).
    6. سفر يشوع الذي قدمه معلمنا لوقا هو قصة آلام السيد المسيح وقيامته، فقبول راحاب الزانية يقابله زكا العشار (Luke 19:1-2).

      ← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.


  • أبرز الإنجيلي لوقا دور الروح القدس، فأعلن الملاك عن يوحنا المعمدان أنه يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه (Luke 1:15). كما أبرز عمل الروح القدس في التجسد الإلهي (لو 1: 35)، وعمله أيضًا في الأحاديث النبوية (Luke 1:67) - (Luke 2:25–27)، وفي المعمودية (Luke 3:16)، وظهوره في عماد السيد (Luke 3:22). هكذا يربط عمل السيد المسيح بعمل روحه القدوس (Luke 4:1) - (Luke 4:14) - (Luke 4:18) - (Luke 10:21) - (Luke 11:13) - (Luke 10:12).

  • دُعي هذا السفر بإنجيل الشمول، إذا حوى الكثير من القصص التي لم ترد في الأناجيل الأخرى وأيضًا الأمثال، يسنده في هذا علاقته الوثيقة بالقديسة مريم.
    انفرد بذكر المعجزات التالية:
    1. صيد الأسماك (Luke 5:4–11)
    2. إقامة ابن أرملة نايين (Luke 7:11)
    3. المرأة التي بها روح الضعف (Luke 13:11-17)
    4. الرجل الأبرص (Luke 14:1-6)
    5. العشرة برص (Luke 17:11–19)
    6. شفاء أذن ملخس (Luke 22:50-51).


    انفرد أيضًا بذكر الأمثال التالية:
    1. المديونان (Luke 7:41–43)
    2. السامري الصالح (Luke 10:25–37)
    3. الصديق اللجوج (Luke 11:5–8)
    4. الغني الغبي (Luke 12:16-20)
    5. شجرة التين غير المثمرة (Luke 13:6–9)
    6. الدرهم المفقود (Luke 15:8-10)
    7. الابن الضال (Luke 15:11–32)
    8. الوكيل الخائن (Luke 16:1–13)
    9. الغني ولعازر (Luke 16:19-31)
    10. الفريسي والعشار (Luke 18:10-14).


    كما انفرد بذكر أحداث معينة مثل
    1. إجابة يوحنا المعمدان على الشعب
    2. بكاء المسيح على أورشليم
    3. موضوع حديثه مع موسى وإيليا عند التجلي
    4. العرق الذي نزل من جبينه كقطرات الدم
    5. خطابه لبنات أورشليم
    6. لقاء السيد مع تلميذيّ عمواس
    7. وأيضًا تفاصيل خاصة بصعوده.


  • من جهة الأسلوب فكما سبق فتحدثنا في أكثر من موضع أن الروح القدس إذ يعمل في الكاتب ويلهمه بالكتابة لا يفقده شخصيته، بل يستغل قدراته ويلهمه ويحصّنه من الخطأ. وقد ظهرت قدرات معلمنا لوقا البشير من جهة الأسلوب، فكطبيبٍ اتسم بالفحص الدقيق، فجاء محققًا للأمور. وأيضًا كطبيبٍ ورسام في نفس الوقت جاء رقيقًا في أسلوبه، يحمل لمسات شعرية لطيفة وعذبة، حتى صار إنجيله مصدرًا للفنانين يستوحون منه أيقوناتهم.

    وأيضًا كصديق ورفيق للقديس بولس في كثير من أسفاره أوجد شيئًا من التشابه بين كتاباتهما، مما جعل العلامة ترتليان يقول بأن الإنجيلي لوقا قد استنار بالرسول بولس.


راجع
  1. Luke 4:22; cf. Colossians 4:6
  2. Luke 4:32; cf. 1 Corinthians 2:4
  3. Luke 6:36; cf. 2 Corinthians 1:3
  4. Luke 6:39; cf. Romans 12:19
  5. Luke 9:56; cf. 2 Corinthians 10:18
  6. Luke 10:8; cf. 1 Corinthians 10:23
  7. Luke 11:41; cf. Titus 1:15
  8. Luke 18:1; cf. 2 Thess. 1:11
  9. Luke 21:36; cf. Eph. 6:18
  10. Luke 22:19–20; cf. 1 Corinthians 11:23–29
  11. Luke 24:34; cf. 1 Corinthians 15:5.


✝ St. John

الإنجيل بحسب ما كتبه القديس يوحنا سفر يناسب الكل، البسطاء والعلماء. كلماته بسيطة للغاية، يقرأه البسطاء فيجدون نفوسهم قريبة منه فيرتاحون، ويغوص فيه أصحاب الخبرات الروحية دون أن ينتهوا إلى سبر غوره.



الإنجيل بحسب مار يوحنا

† الباب الأول الأصحاحات 1-8
† الأصحاح الأول الكلمة المتجسد
† الأصحاح الثاني العريس مفرح النفوس
† الأصحاح الثالث المعلم واهب الميلاد الجديد
† الأصحاح الرابع لقاء مع السامرية
† الأصحاح الخامس شفاء مريض بيت حسدا
† الأصحاح السادس المسيح خبز الحياة
† الأصحاح السابع حديث عن حلول الروح القدس
† الأصحاح الثامن المسيح نور العالم
† الباب الثاني الأصحاحات 9-12
† الأصحاح التاسع تفتيح عيني المولود أعمى
† الأصحاح العاشر الراعي الصالح
† الأصحاح الحادي عشر إقامة لعازر
† الأصحاح الثاني عشر عشاء في بيت لحم
† الباب الثالث الأصحاحات 13-17
† الأصحاح الثالث عشر خدمة غسل الأرجل
† الأصحاح الرابع عشر المعزي الآخر
† الأصحاح الخامس عشر حديث وداعي
† الأصحاح السادس عشر إرسال المعزي
† الأصحاح السابع عشر الصلاة الوداعية
† الباب الرابع الأصحاحات 18-19
† الأصحاح الثامن عشر محاكمة يسوع دينيًا ومدنيًا
† الأصحاح التاسع عشر صلب يسوع المسيح
† الباب الخامس الأصحاح 20
† الأصحاح العشرون القيامة
† الباب السادس الأصحاح 21
† الأصحاح الحادي والعشرون العبور إلى الدهر الآتي
إنجيل يوحنا والكنيسة الأولى

سحب الإنجيل بحسب يوحنا قلب الكنيسة الأولى ليرفعه إلى الأسرار الإلهية الفائقة، بوحي الروح القدس، بأسلوبٍ روحيٍ جذَّاب، بعيدًا عن المصطلحات الفلسفية الصعبة ولغة اللاهوت الجافة

فيما يلي بعض تعليقات آباء الكنيسة عنه:

يمكننا أن نتجاسر فنقولأن الأناجيل هي بكر كل الكتب المقدسة، أما بين الأناجيل فإنجيل يوحنا هو البكر. لا يدرك معناه من لم يتكئ على صدر يسوع (يو23:13) ويستلم مريم من يسوع أمًا له أيضًا (يو 27:19)؛ مثل هذا يكون يوحنا آخر، ويظهر له يسوع ذاته كما فعل مع يوحنا. فإذ لم يكن ابن لمريم سوى يسوع، وذلك بالنسبة لمن يقدمون رأيًا صادقًا فيها، وقد قال يسوع لأمه: "هوذا ابنك" (يو 19: 26)، ولم يقل: "هذا هو أيضًا ابنك". كأنه يقول: "هوذا يسوع الذي ولدتيه". فإنه بالحق كل إنسان صار كاملًا، لا يحيا هو بل يحيا المسيح فيه (2 كو 4: 7). وإذ يحيا المسيح فيه، يُقال لمريم عنه: "هوذا ابنك" المسيح .

العلامة أوريجينوس

هؤلاء جميعًا (الإنجيليون متى ومرقس ولوقا) ارتفعوا قليلًا عن الأمور التي على الأرض، أي عن تلك الأمور التي صنعها ربنا يسوع المسيح على الأرض، أما عن لاهوته فتحدثوا القليل عنه. كانوا أشبه بأناسٍ ساروا معه على الأرض، وبقي النسر، أي يوحنا، الكارز بالحقائق السامية، والمتأمل بنظرة ثاقبة نحو النور الداخلي الأبدي... مع هذا فإننا نحن الذين نزحف على الأرض ضعفاء، ونسلك بين البشر بصعوبة، نتجاسر لنتمسك بهذه الأمور ونتفهمها، حاسبين أنفسنا كما لو كنا قد أدركناها عندما نتأمل فيها، أو نتحدث عنها

القديس أغسطينوس

أما يوحنا المبارك... نراه برغبةٍ ناريةٍ وعقلٍ يرغب في الأمور التي تعلو العقل الإنساني، تجاسر واقترب لكي يشرح الميلاد الفائق الذي لا يُمكن الإحاطة به، أي ميلاد اللَّه الكلمة. فهو يعلم أن "مجد اللَّه إخفاء الأمور" (أم2:25)، والكرامة التي تليق باللَّه تفوق فهمنا وإدراكنا، ومن الصعب أن يدرك أحد أو يشرح صفات الطبيعة الإلهية

القديس كيرلس الكبير

يحقق إنجيل يوحنا بصورة خاصة "ملء" الكتاب المقدس بعينه، وكأنه "مركز" سرّ الكتاب. يشبه الأب مكسيموس المعترف الكتاب المقدس بالكنيسة المقدسة، وإنجيل يوحنا قدس الأقداس فيها، فيه ندخل إلى أعماق مقدسات الكتاب، ونتعرف على أسراره، ونخترق الحجاب

. بحق يدعوه القديس اكليمنضس السكندري "الإنجيل الروحي"، لأنه يدخل بالنفس إلى التعرف على الأمجاد التي أعدت لها خلال محبة الله الآب، وعمل المسيح الخلاصي، وتعزيات الروح القدس. يرى أن إنجيل يوحنا بمثابة الروح، والأناجيل الثلاثة الأخرى بمثابة الجسد. قدمت الأخيرة الحقائق والوقائع الملموسة في حياة السيد المسيح وخدمته وعمله الخلاصي. وجاء إنجيل يوحنا يفسر ما وراء هذه الأحداث، ويكشف عن أعماقها ومفاهيمها. جاء السفر متناغمًا مع قول السيد المسيح: "ليعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو17: 3).

هو الإنجيل الروحي إذ يرفع المؤمن إلى عالم الروح، ولا يسمح لمؤمنيه أن يبقوا على مستوى المادة، فإذ أشبع الجموع بالخبز فرحوا (يو 26:6)، أما هو فدعاهم إلى الطعام الأبدي (يو 27:6).

في حديثه مع نيقوديموس عن الولادة الجديدة كان فكر نيقوديموس المعلم في إسرائيل حبيس أحشاء أمه، أما السيد المسيح فرفعه لينظر بعيني قلبه أن "المولود من الروح هو روح" (يو 1:3-6).

وفي حديثه مع المرأة السامرية كان فكرها حبيس الدلو المادي وبئر يعقوب وماشيته، فرفع قلبها إلى الينبوع الإلهي حيث يقدم لها ماءً يفجر في داخلها ينابيع مياه حيّة تجري للحياة الأبدية.

إذ بدأ القديس يوحنا الذهبي الفم يعظ على إنجيل يوحنا، تحدث عن القديس يوحنا الإنجيلي وهو يقدم إنجيله مقارنًا بينه وبين الخطباء والممثلين كيف يجتذبون الجماهير بفن الخطابة واستخدام الموسيقى وارتداء قناعات جذابة، أما القديس يوحنا فيتقدم كما على منصة السماء، ليحدث أناسًا صار منهم كثيرون أشبه بالملائكة، ويشتهي أن يصير بقية المستمعين هكذا. إنه لا يستخدم سوى نعمة الله، يتحدث وهو في صحبة السمائيين، مقدمًا لهم رسالة المسيح المفرحة.

يتقدم أمامنا الآن هذا الرجل: ابن الرعد، حبيب المسيح، عمود الكنائس في كل العالم، الذي يمسك بمفاتيح السماء، الذي شرب كأس المسيح، واعتمد بمعموديته، الذي اتكأ بكل ثقة على صدر سيده.. دخل مرتديًا ثوب الجمال غير المدرك. فإنه سيظهر أمامنا مرتديًا المسيح (رو 13: 14؛ غلا3: 27)، منتعلًا في قدميه الجميلتين باستعداد إنجيل السلام (أف 6: 15)، ومتمنطقًا بمنطقة ليست حول خصره بل حول منطقتيه، ليست من جلد قرمزي، ولا مكسوة في الخارج من ذهب، بل منسوجة ومصنوعة من الحق نفسه. الآن يظهر أمامنا لا ليقوم بدور تمثيلي، وإنما برأس دون قناع يعلن الحق مكشوفًا. إنه لا يجعل جمهور المستمعين له يصدقونه بل بالأحرى بالمحفل والنظرات والصوت يحقق رسالته دون أدوات موسيقية مثل القيثارة أو ما يشبهها، إنما يستخدم لسانه، ناطقًا بصوت أعذب من أية قيثارة أو أداة موسيقية وأكثر نفعًا. منصته هي السماء كلها، ومسرحه هو العالم المسكون كله، وفرقته هي كل الملائكة، أما عن المستمعين فهم بشر صار منهم كثيرون ملائكة أو يود أن يصيروا هكذا. فإنه لن يستطيع أن ينصت إليه بانسجام حقيقي إلا الذين صاروا هكذا، مظهرين ذلك بأعمالهم. أما البقية فإنهم كأطفال صغار يسمعون ولا يفهمون.. إنهم في طرب ولهو، يعيشون فقط من أجل الثروة والسلطة واللذات الحسية. ما يسمعونه هو حق، ولكنهم في أعمالهم لا يبرزون ما هو عظيم ونبيل خلال إسراعهم نحو الطين لعمل قرميد (طوب)

لم يعد بعد صياد السمك ابن زبدي، بل ذاك الذي يعرف "أعماق الله" (1 كو 2: 10)، الروح القدس، أقصد أنه يضرب على هذه القيثارة، لذلك ليتنا ننصت إليه، فإنه لا يتحدث معنا بشيء قط كإنسانٍ، إنما ما يقوله سيقوله من أعماق الروح، من الخفيات التي لم يعرفها حتى الملائكة قبل حدوثها، فقد تعلموها بواسطة صوت يوحنا معنا، وبواسطتنا، الأمور التي نحن نعرفها. هذا أيضًا أعلنه رسول آخر، قائلًا: "لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة" (أف 3: 10). فإن كان الرؤساء والسلاطين والشاروبيم والسيرافيم تعلموا هذا الأمور من الكنيسة، فواضح جدًا أنهم كانوا مشتاقين جدًا للإصغاء إلى هذا التعليم. في هذا ننال كرامة ليست بقليلة، أن الملائكة تعلموا هذه الأمور التي لم يكونوا يعرفوها قبلًا

القديس يوحنا الذهبي الفم

كاتبه

كلمة "يوحنا" تعني: "يهوه حنان"

  • هو ابن زبدي من بيت صيدا في الجليل، دعاه السيد المسيح مع أخيه الأكبر يعقوب الذي قتله هيرودس أغريباس الأول سنة 44 م.
  • يبدو أنه كان على جانب من الثراء، إذ كان والده يستخدم أجرى في سفنه (مر10:1)، وكان يوحنا معروفًا لدى رئيس الكهنة (يو16:18). وكانت أمه سالومي سيدة فاضلة تقية تتبع السيد المسيح على الدوام (لو3:8)، اشتركت مع النساء اللواتي اشترين حنوطًا كثير الثمن لتكفين السيد المسيح، وهي على الأرجح أخت مريم أم يسوع (يو25:19).
  • اتخذ مهنة صيد السمك حرفة، وكان هو وأخوه شريكي سمعان في الصيد (لو10:5)، وقد اختار السيد المسيح سمعان وأندراوس ويوحنا ويعقوب كأول تلاميذ له. وإذ كان يوحنا وأخوه حادي الطبع دعاهما "بوانرجس"، أي "ابني الرعد" (مر17:3). وقد صار يوحنا رسول الحب، رقيقًا للغاية؛ جاء إنجيله ورسائله ورؤياه تدور حول "الحب". وبقى يكرز بالحب حتى شيخوخته، وكما يقول القديس جيروم في تفسيره الرسالة إلى أهل غلاطية كان تلاميذه يحملونه على أذرعهم ويذهبون به إلى المنبر لينطق بالكلمات: "يا أولادي أحبوا بعضكم بعضًا. هذه وصية الرب، إذا عملتم بها وحدها فهذا يكفيكم(7)". دُعي "التلميذ الذي كان الرب يحبه" (يو 20:21).
  • يقول القديس إيرينيؤس إن يوحنا كان في الخامسة والعشرين من عمره حين دعاه السيد المسيح للعمل.
  • يعتبر مع بطرس ويعقوب من التلاميذ الأخصاء الذين انفردوا مع السيد المسيح في كثير من المواقف، مثل التجلي (مت 1:17)، وعند إقامة ابنة يايرس (مر 37:5)، وفي بستان جثسيماني (مت 37:26)، وعندما تنبأ عن خراب الهيكل وأورشليم (مر 13: 3). أمره السيد المسيح مع بطرس أن يعدا الفصح له ولتلاميذه (لو 8:22). انفرد باتكائه على صدر السيدالمسيح(لو 23:13)، وقد رافق السيد حتى الصليب حيث تسلم منه القديسة مريم أمًا له (يو20:19-27).
  • بعد صعود السيد اشترك مع القديس بطرس في إقامة الأعرج الذي كان عند باب الهيكل المُلقب بالجميل (أع1:3-6)، وفي الذهاب إلى السامرة لوضع اليد على المؤمنين ليحل الروح القدس عليهم (أع14:8-17).
  • حسبه الرسول بولس أحد أعمدة الكنيسة (أع6:15؛ غل9:2).
  • كرز في آسيا الصغرى، لا سيما في أفسس، وعُذب في أيام دومتيانوس، ونُفي إلى جزيرة بطمس، حيث تمتع برؤيا يوم الرب "سفر الرؤيا"، وبقي في منفاه حتى تنيح. يقول القديس جيروم أن الرسول يوحنا انتقل في العام الـ68 بعد صعود الرب. وبذلك يكون الرسول قد عاش عامين أم أكثر في القرن الثاني للميلاد. ومعنى هذا أنه عاش إلى ما يقرب المائة عام، حيث أن كان أصغر من الرب بقليل. ويرى البعض أنه تنيححوالي سنة 98م في حكم تراجان (98-117م).
  • يروي لنا يوسابيوس القيصري في كتابه "تاريخ الكنيسة " قصة عن القديس يوحنا الرسول في شيخوخته تكشف عن مدى تقديره العجيب لخلاص النفس البشرية وبحثه عنها؛ وقد رواها نقلا عن القديس اكليمنضس السكندري في كتابه "من هو الغني الذي يخلص؟"
  • جاء عن القديس يوحنا أنه بعد عودته من جزيرة بطمس إلى مدينة أفسس تجوّل في بعض المناطق الوثنية المجاورة، لإقامة أساقفة في بعض الأماكن وتدبير أمور الكنائس، وإذ بلغ مدينة ليست ببعيدة (غالبًا أزمير) سلم أسقفها شابًا وثنيًا قَبِل الإيمان وكان مملوءً غيرة، مؤكدًا عليه أن هذا الشاب هو وديعة بين يديه. وبالفعل اهتم به الأسقف حتى نال سرّ المعمودية. لكن بعض الشبان الفاسدين اجتمعوا به، وأفسدوا حياته في ترفٍ وبذخٍ، وإذ احتاجوا إلى مالٍ صاروا يسرقون، فكان يشترك معهم.

    انحدر الشاب من جريمة إلى أخرى حتى كوَّن عصابة تحت قيادته يسلبون وينهبون ويسفكون الدماء. وإذ عاد القديس يوحنا إلى المدينة يسأل الأسقف عن الشاب أجابه: "لقد مات... مات عن اللَّه، لأنه عاد إلى شره، وأصبح خليعًا، وأخيرًا صار لصًا، وعوضًا عن الكنيسة صار يلازم الجبال مع عصابة تماثله".

    لم يحتمل القديس ذلك، بل طلب فرسًا امتطاه رغم شيخوخته، وانطلق إلى الموضع حيث أسره اللصوص، وأتوا به إلى رئيسهم، الذي لما رآه اعتراه الخجل وحاول الهرب. صار القديس يجري وراءه صارخًا: "لماذا تهرب مني؟ أنا أبوك يا ابني، وأنا أعزل، طاعن في السن، وإن لزم الأمر فإنني مستعد أن احتمل الموت عنك، كما احتمل الرب الموت عنا. لأجلك أبذل حياتي. قف، آمن، فإن المسيح أرسلني إليك". للحال خجل الشاب ووقف مطرقًا رأسه نحو الأرض، يبسط ذراعيه في رعدة، وكان يبكي بمرارة. فرح به القديس جدًا، ورجع به إلى الكنيسة، ولم يترك المدينة حتى اطمأن عليه.
  • يروي القديس يوحنا كاسيان القصة التالية: [بينما كان الإنجيلي المبارك ذات يوم يداعب صقرًا، إذابشاب أقبل عليه عائدًا من الصيد. فتعجب الشاب وسأل الرسول كيف أن رجلًا عظيمًا مثله يقضي وقته على هذا الحال. وحينئذ سأله الرسول: "ما هذا الذي في يدك؟" فقال الشاب: "إنه قوس". قال الرسول: "ولماذا هو غير مشدود؟" فأجاب: "لأنني لو جعلته مشدودًا على الدوام يفقد مرونته، وهي التي أحتاج إليها حين أطلق السهم". فقال الشيخ: "إذن لا تغضب على يا صديقي الشاب لأني في بعض الأحيان أحل أوتار نفسي، وإلا فقدت قوتها وخانتني في اللحظة التي أحتاج أن أستعملها ].
  • يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس عن مدى حرصه على الإيمان المستقيم من البدع نقلًا عما جاء عنه في كتابات القديس إيرينيؤس أسقف ليون أن الرسول دخل مرة إلى الحمام ليستحم، وإذ عرف أن المبتدع كيرنثوس (نادى بأن مملكة المسيح أرضية؛ إذ كان محبًا للولائم والعلاقات الدنسة الجسدية) هناك قفز فزعًا، وخرج مسرعًا، لأنه لم يطقْ البقاء معه تحت سقفٍ واحدٍ، ونصح مرافقيه أن يقتدوا به، قائلًا: [لنهرب لئلا يسقط الحمام، لأن كيرنثوس عدو الحق بداخله ].
  • يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس على لسان أبولونيوس الذي يظن أنه كان أسقفًا على أفسس أن الإنجيلي يوحنا أقام ميتًا في أفسس بمعونة الله.
  • يروي لنا العلامة ترتليان أن الإنجيلي يوحنا اُلقي في قزانٍ به زيت مغلي والرب نجاه.
مكان كتابته وتاريخ الكتابة

حسب شهادة القديس إيرينيؤس أسقف ليون (حوالي سنة 177-200 م.)، وهو تلميذ القديس بوليكربوس، سلّم القديس يوحنا إنجيله لأساقفة آسيا حيث كان مقيمًا معهم إلى عهد الإمبراطور تراجان، وأنه قام بنشره في أفسس

وقد بقي تقليد الكنيسة في الشرق والغرب يأخذ بهذا الرأي دون اعتراض يُذكر. لكن جاء بعض النقاد المحدثين يشككون في نسبة السفر للقديس يوحنا، وبالتالي تشككوا في مكان كتابته وتاريخه.

أما من جهة مكان الكتابة فظن البعض أنه كُتب في إنطاكيا أو سوريا، يعتمدون في ذلك على ما جاء في أعمال أغناطيوس Acts of Ignatius

، (وهو مُستند لا يُعرف تاريخه)، بأن يوحنا كان مرتبطًا بأنطاكيا. يُرد على ذلك بأن يوحنا كان في أنطاكيا زمانًا ثم ذهب إلى أفسس واستقر هناك.

ينسب بعض النقاد السِفر إلى الإسكندرية، حجتهم في هذا أن أقدم مخطوطة للسِفر وُجدت في مصر. وأن السفر يحمل طابعًا هيلينيًا يناسب فكر الإسكندرية المتأثرة بفيلون Philo اليهودي الرمزي السكندري. يُرد على ذلك أن مناخ مصر العلمي جعلها تقتنيه في وقت مبكر وتحتفظ به، ويكون له دوره في حياة كنيستها وآبائها، لكن ليس بالضرورة أن يكون قد كُتب في مصر.

أما من جهة اعتراض البعض على كتابته في أفسس، فقد قام الاعتراض على أساسين:

أولًا:

أكّد كثير من النقاد المحدثين خلال النصف الأول من القرن العشرين أن أسلوب السِفر غنوسي هيليني، وهو أسلوب لا يوافق القرن الأول الميلادي بل القرن الثاني. لذلك أصروا على أنه حتى وإن كانت أصوله من وضع يوحنا، فإنه قد أُعيد كتابته في القرن الثاني بيدٍ غنوسية في أنطاكية أو الإسكندرية. وجاء اكتشاف مخطوطات البحر الميت سنة 1947 م. وأيضًا المكتبة الغنوسية الكاملة التي اُكتشفت في تاريخ مقارب بنجع حمادي بصعيد مصر يؤكدان عكس ما أصرّ عليه النقاد. فتراجع الدارسون وشعروا بصدق التقليد الكنسي، وتيقّن غالبيتهم أنه من وضع القرن الأول، غالبًا بيد القديس يوحنا في أفسس. الأمر الذي نعود إليه عند حديثنا عن "إنجيل يوحنا والغنوسية".

ثانيًا:

حاول بعض النقاد التشكيك في كتابة هذا السِفر بواسطة القديس يوحنا في أفسس بدعوى أن القديس قد استشهد مع أخيه يعقوب على يديّ هيرودس أغريباس الأول سنة 44م في أورشليم، مُقدمين بعض الدلائل التي يمكن الرد عليها:

  1. جاء في مرقس39:10 أن يعقوب ويوحنا يشربان الكأس التي يشربها ربنا يسوع، قائلين بأن هذا يعني أن يوحنا كان يجب أن يستشهد مع أخيه، وإلا كان القديس مرقس قد التزم بتغيير النص. ويُرد على ذلك بأن القديس مرقس مُلتزم بكتابة نص كلمات السيد المسيح تمامًا، وليس من حقه تغيير النص، تاركًا للقارئ التفسير. فإن الكأس التي قصدها الرب كانت نبوة عن الآلام التي احتملها التلميذان، وليس بالضرورة البلوغ حتى الاستشهاد بسفك الدم. هذا ولو أن هيرودس قتل الأخوين معًا لما اكتفى لوقا (كاتب سفر الأعمال) بذكر قتل يعقوب وحده، وإنما كان قد ذكر الأخوين معًا، "فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف، وإذ رأى أن ذلك يُرضي اليهود عاد فقبض على بطرس أيضًا" (أع 2:12، 3).

  2. اعتمدوا على عبارة موجزة وردت في كتابات كاتبين متآخرين هما فيلبس الصيدي Philip of Side من القرن الخامس، وجورج همرتوليس George Hamartolus من القرن التاسع، فيها نسبا لبابياس أن يوحنا ويعقوب قتلهما اليهود. ويرد على ذلك بأن ما ورد في هذا الشأن لا يُمكن أخذه بجدية إذ عُرف عن الكاتبين أنهما غير مدققين كمؤرخين(18). ويقول C. K. Barrett أن إيرينيؤس ويوسابيوس عرفا كتابات بابياس ولم يذكرا شيئًا عن استشهاد يوحنا(19). ومما يشكك في الأمر أن فيلبس لقب يوحنا باللاهوتي بينما لم يكن هذا اللقب قد عُرف به القديس يوحنا في أيام بابياس (القرن الثاني)؛ أما جورج فلم يأخذ ما كتبه عن بابياس في هذا الشأن بجدية، إذ عاد فتحدث عن القديس يوحنا أنه رقد بسلام (دون استشهاد).

  3. جاء في أعمال الشهداء السرياني (سنة 411)(20) تذكار القديسين يوحنا ويعقوب في نفس اليوم، أي 27 ديسمبر، كرسولين في أورشليم، كما جاء في تقويم قرطاجنّة (حوالي 505م)(21) تذكار يوحنا المعمدان ويعقوب في نفس اليوم (27 ديسمبر)، فحسب بعض الدارسين أن التقويم أخطأ في تلقيبه بالمعمدان، كما جاء في عظة للأب أفراهات(22) أن الذين استشهدوا من الرسل غير اسطفانوس وبطرس وبولس هما اثنان يوحنا ويعقوب.

يرد على ذلك بأنه في كل هذه حدث لبس بين القديسين يوحنا المعمدان ويوحنا الرسول. أما الدلائل الإيجابية على أن الرسول يوحنا لم يستشهد مع أخيه فهي:

  1. ذُكر القديس يوحنا بين أعمدة الكنيسة في غلاطية 9:2، وكان ذلك بعد سنة 44م.
  2. جاءت اكتشافات علماء الآثار النمساويين لمقبرة القديس يوحنا بأفسس تسند الفكر الكنسي التقليدي.
  3. جاء عن بوليقراطيس Polycrates أسقف أفسس أنه كتب إلى فيكتورينوس أسقف روما حوالي سنة 190 م.، يؤكد أن الرسول يوحنا عاش في أفسس وتنيح فيه).

أما من جهة تاريخ كتابة السفر فبحسب الفكر الكنسي كان في أواخر حياة القديس يوحنا. هذا وواضح من السفر أنه كُتب بعد خراب هيكل اليهود في أورشليم عام 70 م. (راجع يو19:2، 20؛ 21:4)؛ وربما بعد طرد المؤمنين من مجامع اليهود، الأمر الذي تم حوالي سنة 85م حتى سنة 90م (راجع يو22:9؛ 2:16).

غاية الكتابة
  • يذكر لنا الإنجيلي غاية كتابته للسفر قائلًا: "لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن اللَّه، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" (يو 31:20). ويلاحظ في هذا النص الإنجيلي الآتي:
    • جاءت كلمة "تؤمنوا" في اليونانية pioteonte وذلك في النسخ السينائية والفاتيكانية وKoredethi في صيغة الحاضر لا الماضي، لتعني أن الإنجيل كتب لتثبيت إيمان قائم فعلًا
      فهو لم يقدم إيمانًا جديدًا، إنما أراد تثبيت إيمان الكنيسة الذي تعيشه حتى لا ينحرف أحد عنه.
    • موضوع الإيمان أن يسوع هو المسيح، وأنه ابن اللَّه. وكما يقول W. C. Van Unnik أن كلمة "المسيح" لا تعني لقبًا مجردًا، إنما تعني بالضرورة "الواحد الممسوح"، "الملك الممسوح"، الأمر الذي كان اليهود يدركونه دون الأمم، أما كلمة "ابن اللَّه" فيدركها بالأكثر العالم الهيليني. على أي الأحوال ارتباط اللقبين معًا كان ضروريًا لتثبيت إيمان من كانوا من أصلٍ يهوديٍ أو أمميٍ، إذ يدرك كل مؤمن أن يسوع هذا هو موضوع كل النبوات القديمة، وهو ابن اللَّه الواحد معه في ذات الجوهر، قادر على تقديم الخلاص وتجديد الخلقة.

      هذا وقد لاحظ الدارسون أن كلمة "المسيا" قدمت في هذا الإنجيل وحده دون ترجمة بل كما هي، وكأن القديس يوحنا أراد أن يؤكد أن اللقب هنا إنما عني ما فهمه اليهود. لذا نجده يقدم لنا حديث فيلبس لنثنائيل: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء" (يو 45:1)؛ ودعوة أندراوس لأخيه سمعان بطرس: "قد وجدنا مسيا، الذي تفسيره المسيح" (يو 41:1). هذه هي صورة ربنا يسوع في هذا الإنجيل منذ بدايته، صورة مسيانية

      هذه الصورة عن يسوع بكونه المسيا الملك الذي طال انتظار اليهود لمجيئه أكدها الإنجيلي في أكثر من موضع. ففي دخول السيد أورشليم "كانوا يصرخون: أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل... هذا الأمور لم يفهمها تلاميذه أولًا؛ ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه" (يو 13:12-16). وأمام بيلاطس اعترف السيد بمملكته (يو 33:18-37)؛ وقد دين كملكٍ لليهود (يو 3:19، 12-15، 19، 20). القديس يوحنا وحده هو الذي أخبرنا أن الجموع طلبته لتقيمه ملكًا فانسحب من وسطهم (يو 15:6)، لأن فهمهم للملك المسياني مختلف عن قصده هو.

      هذه الصورة التي قدمها الإنجيلي يوحنا عن ربنا يسوع بكونه "المسيا الملك" الذي طال انتظار اليهود لمجيئه، جعلت بعض الدارسين ينادون بأن يوحنا كرجل يهودي كان مرّ النفس بسبب العداوة التي أظهرها اليهود نحو يسوع. هذا ما نادى به لورد شارنوود Lord Charnwood سنة 1925، غير أن بعض الدارسين مثل ف. تيلور فيرى أن هذا الهدف لم يكن رئيسيًا، إنما كان القديس يوحنا مرّ النفس من نحو كل من حمل عداوة ليسوع سواء كان يهوديًا أو غير يهودي. ودارسون آخرون مثل J. A. T. Robinson نادوا بأن الرسول قصد المسيحيين الذين من أصل هيليني ولم يوجه إنجيله لليهود.

    • غاية هذا السفر تأكيد لاهوت السيد المسيح، بكونه ابن اللَّه الوحيد الجنس، لكن لا لمناقشات نظرية أو مجادلات فلسفية، وإنما للتمتع بالحياة باسمه. إيماننا بلاهوته يمس حياتنا وخلاصنا نفسه، لذلك جاءت أول عظة بين أيدينا بعد كتابة العهد الجديد تبدأ بالكلمات: [يليق بنا أيها الإخوة أن نفكر في يسوع المسيح بكونه اللَّه، ديان الأحياء والأموات. يلزمنا ألا نقلل من شأن خلاصنا، لأننا عندما نقلل من (السيد المسيح) إنما نتقبل منه القليل.]

      كأن هذا السفر جاء يعلن بأكثر وضوحٍ وإفاضة ما قدمه لنا الإنجيليون الآخرون، معلنًا لنا الجانب اللاهوتي. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إن أحدًا من هؤلاء لم يعلن لنا لاهوته بوضوح كما فعل يوحنا، إذ خلاله يقول: "أنا هو نور العالم"، "أنا هو الطريق والحق والحياة"، "أنا هو القيامة"، "أنا هو الباب"، "أنا هو الراعي الصالح"، وفي الرؤيا: "أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر" .]

      بمعنى آخر، قدم لنا هذا السفر علاقة الابن الأزلية مع الآب، ومعنى هذه العلاقة الفريدة في حياة المؤمنين، ودورها في خلاصهم. أراد الإنجيلي بالكشف عن شخصية السيد المسيح كابن اللَّه الوحيد أن نؤمن به فنخلص، ونحيا أبديًا وقد أبرز الإنجيلي أن معاصري السيد المسيح أنفسهم لم يدركوا كمال حقيقته كما ينبغي ولا مغزى كلماته وتصرفاته الفائقة للعقل. أقرباؤه حسب الجسد مثل أمه وأخوته (أبناء خالته)، وأصدقاؤه، ومعلمو اليهود، والكهنة، وأيضًا المرأة السامرية، وبيلاطس بنطس... هؤلاء جميعًا لم يدركوا كلماته وذهلوا أمام تصرفاته.

      أتجاسر فأقول يا إخوتي أن يوحنا نفسه لم يتحدث في الأمر كما هو، إنما قدر استطاعته فقط. لأنه كان إنسانًا يتحدث عن اللَّه، حقًا مُوحى إليه من اللَّه، لكنه لا يزال إنسانًا

      القديس أغسطينوس

    • حافظ الله على حياة هذا الرسول ولم يسمح باستشهاده مبكرًا مع بقية التلاميذ ليقدم للكنيسة الصبية الحق في شيء من الإيضاح (إنجيل يوحنا)، ويدخل بها إلى يوم الرب لتعاين السماء المفتوحة (سفر الرؤيا). ألا ترون أنه ليس بدون سبب أقول إن هذا الإنجيلي يتحدث إلينا من السماء؟ انظروا فقط في البداية عينها كيف يسحب بها النفس، ويهبها أجنحة، ويرفع معه ذهن السامعين. فيقيمها فوق كل الأشياء المحسوسة، أعلى من الأرض والسماء، ويمسك بيدها، ويقودها إلى أعلى من الملائكة أنفسهم والشاروبيم والسيرافيم والعروش والسلاطين والقوات، وفي كلمة يحثها على القيام برحلة تسمو فوق كل المخلوقات.


    • القديس يوحنا الذهبي الفم

      كان بولس سماءً عندما قال: "محادثتنا في السماء" (في 20:3). يعقوب ويوحنا كانا سماوات، ولذا دعيا ابنيّ الرعد (مر17:3)، وكان يوحنا كمن هو السماء فرأى الكلمة عند اللَّه.

      القديس أمبروسيوس

      عاش القديس يوحنا حتى نهاية القرن الأول، كآخر من رقد بين تلاميذ السيد المسيح ورسله. وقد عاصر الجيل الجديد من المسيحيين، فكان هو - إن صح التعبير - حلقة الوصل بين العصر الرسولي وبدء عصر ما بعد الرسل. لقد أراد أن يقدم الكلمة الرسولية النهائية عن شخص المسيا، وأن يحفظ الكنيسة من تسلل بعض الأفكار الخاطئة.

      يرى بعض الدارسين أن الإنجيلي قصد مواجهة بعض الحركات الغنوسية مثل الدوناتست (الدوسيتيون) Docetism، إذ نادى هؤلاء باستحالة أن يأخذ الكلمة الإلهي جسدًا حقيقيًا، لأن المادة في نظرهم شرّ. لذلك أكد الرسول في إنجيله أن يسوع وهو ابن اللَّه بالحقيقة قد تجسد أيضًا حقيقة، ولم يكن خيالًا، إذ يقول: "الكلمة صار جسدًا". ما كان يمكننا أن نتمتع بالخلاص ما لم يحمل طبيعتنا فيه، ويشاركنا حياتنا الواقعية. لقد أبرز الإنجيلي السيد المسيح في عرس قانا الجليل وهو يقوم بدور خادم الجماعة. لقد حوَّل الماء خمرًا، وهو عمل فيه خلق، لكنه قام به خلال الخدمة المتواضعة غير منتظرٍ أن يأخذ المتكأ الأول. وعلى بئر سوخار ظهر متعبًا وعطشانًا، وعند قبر لعازر تأثر جدًا بعمقٍ وبكى، وفي العلية غسل أقدام التلاميذ، وعلى الصليب عطش.

غاية هذا السفر الربط بين يسوع التاريخي والمسيح الحاضر في كنيسته. محولًا الأحداث التي تمت في حياة ربنا يسوع للإعلان عن شخصه بكونه رب المجد العامل في كنيسته
من هو يسوع؟
† الكلمة الإلهي المتجسد، واهب سلطان البنوة لله John 1:1-51
† ابن الإنسان صاحب السلطان الإلهي، مفرح النفوس ومجددها John 2:1-25
† المعلم الإلهي القدير، واهب الميلاد الجديد John 3:1-36
† رابح النفوس العجيب John 4:1-54
† الطبيب العظيم John 5:1-47
† خبز الحياة John 6:1-71
† ماء الحياة John 7:1-53
† نور العالم John 8:1-59
† واهب الاستنارة John 9:1-41
† الراعي الصالح John 10:1-42
† واهب الحياة والقيامة John 11:1-57
† ملك إسرائيل John 12:1-50
† غاسل الأرجل John 13:1-38
† المعزي السماوي John 14:1-31
† الكرمة الحقيقية John 15:1-27
† مُرسل الروح القدس John 16:1-33
† رئيس الكهنة العظيم John 17:1-26
† المسيا المتألم John 18:1-40
† الملك المرفوض John 19:1-42
† غالب الموت John 20:1-31
† مقيم النفوس الساقطة ورافعها إلى السماء John 21:1-25

إنجيل يوحنا والآيات
المعجزة المعنى
† تحويل الماء خمرًا John 02:01-11 تجديد الطبيعة البشرية
† شفاء ابن الغني John 04:47-54 الإيمان شرط الحياة الأبدية.
† شفاء مفلوج بيت حسدا John 05:01-09 قوة الحياة الجديدة
† إشباع الجموع John 06:01-14 المسيح الخبز الحي
† إشباع الجموع Mat 14:13-21 المسيح الخبز الحي
† إشباع الجموع Mark 06:32-44 المسيح الخبز الحي
† إشباع الجموع Luke 09:10-17 المسيح الخبز الحي
† المشي على المياه John 06:15-21 المسيح قائدنا في الطريق الملوكي
† المشي على المياه Mat 14:22-36 المسيح قائدنا في الطريق الملوكي
† المشي على المياه Mark 06:45-56 المسيح قائدنا في الطريق الملوكي
† شفاء المولود أعمى John 09:01-41 المسيح نور الحياة
† إقامة لعازر John 11:01-44 المسيح قيامتنا غالب الموت
† صيد السمك John 21:01-14 الشركة الكاملة في الحياة الجديدة
تابع القراءة على موقع سان تيكلا ←